حديث الجمعة
الحلقة: (107)
(الخوف من الجليل)
الحمد لله رب العالمين، يثيب المحسنين الطائعين، ويتجاوز الذنب عن المسيئين العاصين، سبحانه له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فقد توقفنا في الحصة الماضية مع بعض عوامل إصلاح القلوب، وختمناها بالبكاء على الملك علام الغيوب، في الساعات المتأخرة من الليل وقت السحور، وقد أثنى الله -عز وجل- ثناء حسنا على من يفعل ذلك ووعدهم عليه بالجزاء العظيم يوم النشور، قال -تعالى-: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 16-17].
وفي حلقة اليوم: نذكر طرفا من خشية الله عز وجل، تلك الصفة الحميدة التي امتاز بها عباد الله الصالحون، وفيها يقول المولى -عز وجل- وهو أصدق القائلين: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات 40-41].
قال الحافظ ابن كثير –رحمه الله- في تفسيره: “أي: خاف القيام بين يدي الله عز وجل، وخاف حكم الله فيه” [تفسير ابن كثير (8/ 319)].
والخوف من القيام بين يديه –سبحانه- يكون باجتناب الْمُحَرَّماتِ، وتأدية الواجِباتِ، وهو معنى قوله -جل وعلا-: {ونَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى}.
والهَوَى هُوَ ما تَمِيلُ إِلَيْهِ النَّفْسُ الأَمّارَةُ بِالسُّوءِ مِمَّا فِيهِ مُخالَفَةٌ لِشَرْعِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، لذلك حذرنا الشرع من متابعة النفس في هواها، وعدم محاسبتها وردها إلى شرع مولاها، فعن عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» [رواه الترمذي وقال حديث حسن].
وفي ربط الخوف من الله -عز وجل- بعدم اتباع الهوى دليل على أن الخوف الحقيقي هو ما كان على هذه الصورة، أما ما ندعيه نحن من الخوف من الله -عز وجل- وإطلاق العنان للنفس لتسبح في شهواتها فليس من الخوف في شيء.
ثم يختم الله -جل وعلا- الآيتين بالنتيجة العظيمة التي تترتب عن الخوف منه وعدم اتباع الهوى بقوله: {فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} أي: أن من خاف حكم الله فيه يوم القيامة، وأدرك عظمة الله وجلاله، ونهى نفسه عن هواها، وزجرها عن المعاصي والمحارم التي تشتهيها، وردها إلى طاعة مولاها، فالجنة مكانه الذي يأوي إليه، ومستقره ومقامه لا غيرها.
والآيتان المذكورتان قيل: نزلتا في مصعب بن عمير وأخيه عمار بن عمير رضي الله عنهما، وهي عامة في كل مؤمن خاف الله، ولم يتبع هواه.
وهذان الوصفان مضادان لوصفين سابقين وصف الله –عز وجل- بهما أهل النار، فقال: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 37 – 39].
فقوله: {وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ} ضد {فَأَمَّا مَنْ طَغى} وقوله: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى} ضد قوله: {وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا}.
والخوف من الله –عز وجل- لا بد وأن يكون مسبوقا بالعلم به سبحانه، قال -تعالى-: {نَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 28].
ولما كان الخوف من الله –عز وجل هو السببَ المعين لدفع الهوى، قدمه على قوله: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى}.
فاللهم ارزقنا خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الرضا والغضب، وارزقنا التواضع والسكينة وفعل الخيرات، وترك المنكرات، وحبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، واجعلنا من الراشدين فضلا منك ونعمة، آمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.




عذراً التعليقات مغلقة