بسم الله الرحمن الرحيم وصلى وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
حديث الجمعة: الحلقة الواحد والاربعون :
صفة الصلاة (4)
الحمد لله رب العالمين، تَعَبَّدَنَا بالصلوات الخمس وجعلها عماد الدين، ووعد من حافظ عليها بجنة الفردوس في عليين، مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وأشهد أنه الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له القوي المعين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، وهداية للناس أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فنتابع الحديث عن صفة الصلاة الذي قدمت منها في الحلقة الماضية الكلام عما بعد الفاتحة: وهو قراءة السورة في الركعتين الأوليين من كل صلاة، وبينت أن الركعة الثالثة من صلاة المغرب، والثالثة والرابعة من صلاة الظهر والعصر والعشاء لا يقرأ فيها إلا بالفاتحة وحدها كما هو معلوم.
وبينت أن السورة التي تقرأ بعد الصلاة سنة مؤكدة لا بد منها ولو أن يقرأ المصلي منها آية.
ومن لم يقرأ شيئا بعد الفاتحة يلزمه سجود قبلي، والسجود القبلي في مذهبنا المالكي يكون في حالة نقصان سنة مؤكدة، وصفته أن يسجد سجدتين إذا أنهى التشهد قبل أن يسلم، ثم يعيد التشهد ثم يسلم.
إلا أن أمرا هاما يتعلق بالسورة ينبغي تجلية القول فيه حتى ننهي الحديث عن هذه السنة ونحن قد أحطنا بالفقه المتعلق بها ولو جزئيا خبرا، إن لم يكن كليا، فأقول:
إن السورة تارة تكون بالجهر، يجهر بها مع الفاتحة في الصلوات الجهرية: الصبح، والمغرب، والعشاء، وصلاة الجمعة. وتارة تكون بالسر، يسر بها مع الفاتحة في الصلوات السرية: الظهر والعصر، كما هو معلوم.
والإضافة الجديدة اليوم التي تضاف إلى القارئ الكريم أن المصلي إذا أسر مكان الجهر فقد نقص من صلاته، وإذا جهر مكان السر فقد زاد في صلاته، فكيف يعالج هذه الصلاة من وقع له مثل هذا؟.
وهذا فقه جليل القدر، عظيم النفع لمن حَصَّلَه، فإنه يكفيه عن إعادة الصلاة، ويتم الاكتفاء بالصلاة الْـمُرَقَّعَةِ، وهي عند العلماء: (أي المرقعة) أكثر ثوابا وأجرا من الصلاة التي تعاد، قال القرافي –رحمه الله- “الْقَاعِدَةُ الْعَاشِرَةُ التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالصَّلَاةِ الْمُرَقَّعَةِ الْمَجْبُورَةِ إِذَا عَرَضَ فِيهَا الشَّكُّ أَوْلَى مِنَ الْإِعْرَاضِ عَنْ تَرْقِيعِهَا أَوِ الشُّرُوعِ فِي غَيْرِهَا.
وَالِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا أَيْضًا بَعْدَ التَّرْقِيعِ أَوْلَى من إِعَادَتهَا، فإنه مِنْاهَجُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمِنْهَاجُ أَصْحَابِهِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ بَعْدَهُمْ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ، وَالشَّرُّ كُلُّهُ فِي الِابْتِدَاعِ، وَقَدْ قَالَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: لَا صَلَاتَيْنِ فِي يَوْمٍ، فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ الِاسْتِظْهَارُ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَوْ كَانَ فِي ذَلِكَ خَيْرٌ لَنَبَّهَ عَلَيْهِ وَقَرَّرَهُ فِي الشَّرْعِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يُتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِمُنَاسَبَاتِ الْعُقُولِ، وَإِنَّمَا يُتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِالشَّرْعِ الْمَنْقُولِ” [الذخيرة للقرافي (2/ 296)].
ولابن أبي جمرة: “أن المرقعة تعدل سبعين صلاة ليس فيها سجود سهو؛ لأن فيها ترغيم الشيطان، وكل ما فيه ترغيمه فيه رضا الرحمن؟. [شرح الزرقاني على مختصر خليل وحاشية البناني (1/ 413)].
ولنا قاعدة في التعامل مع النقص أو الزيادة في الصلاة، وهي: أن النقص دائما يجبر بسجدتين قبل السلام، والزيادة: تجبر بسجدتين بعد السلام.
فإذا ما حدث أن وقع للمصلي سهو في أحد الصلوات الجهرية التي هي: الصبح، والمغرب، والعشاء، فبدل أن يجهر بقراءة الفاتحة والسورة في الركعتين الأوليين أسر، فقد وقع له سهو بالنقص، أي: أنه نقص صفة الجهر، فهنا الصلاة صحيحة لا يحتاج فيها إلى إعادة، وإنما يكتفى فيها بسجدتين قبل السلام ترغيما للشيطان.
فعن أبي هريرة –رضي الله- عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ” إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ، اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي، يَقُولُ: يَا وَيْلَهُ أُمِرَ بِالسُّجُودِ، فَسَجَدَ، فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ، فَعَصَيْتُ، فَلِي النَّارُ ” [مسند أحمد (15/ 445)].
وإذا ما حدث أن وقع للمصلي سهو في أحد الصلوات السرية فجهر بقراءة الفاتحة والسورة في الركعتين الأوليين، فقد وقع له سهو بالزيادة، أي: أنه زاد صفة الجهر وهي غير موجودة، فهنا الصلاة صحيحة أيضا لا يحتاج فيها إلى إعادة، وإنما يكتفى فيها بسجدتين بعد السلام، أي: بعد أن يسلم وهو جالس يسجد سجدتين ويعيد التشهد والسلام.
فالجهر والسر كل واحد في محله من السنن التي يسجد لها المصلي إن خالف الصفة المطلوبة فيهما، والمخالفة إما إيقاع السر مكان الجهر أو العكس، قال الناظم المقرئ الفقيه سيدي عبد الواحد بن عاشر (1040هـ) –رحمه الله-:
سُنَنُهَا السُّورَةُ بَعْدَ الْوَافِيَةْ *** مَعَ الْقِيَامِ أَوَّلاً وَالثَّانِيَةْ
جَهْرٌ وَسِرٌّ بـِمَحَلٍّ لـَهُمَا *** تَكْبِيرُه ُإِلاَّ الذِي تـَــقَدَّمَا.
وأريد أن يكون الكلام قصدا نافعا، لا كثيرا مملا، لذلك أقف عند هذا القدر، وأضرب للسادة القراء الأفاضل موعدا في الحلقة القادمة إن شاء الله.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.



عذراً التعليقات مغلقة