بسم الله الرحمن الرحيم وصلى وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
حديث الجمعة: الحلقة الرابعة والثلاثون:
أضحية العيد عبادة يجب إخلاصها لله.
الحمد لله رب العالمين، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، نشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، أمرنا بإخلاص العمل له وحده، دون إشراك أحد معه، فقال سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، أفضل من تقرب إلى الله بصالح الأعمال وأخلص لربه، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فقد قدمت لأحبابي القراء في الحلقة الماضية أننا نعيش أياما فاضلة لشهر عظيم من الأشهر المحرمة، إنه شهر ذي الحجة الذي نطقت الآيات والأحاديث بفضله، وخَصَّت أيامه الأولى بمزيد فضل وثواب، فأنعم به وبأيامه ولياليه المباركة.و
وقدمت بأن هذا الشهر شرع الله فيه لعباده عبادات يتقربون بها إليه، منها: نسيكة العيد التي ذبحناها أمس تقربا وإخلاصا لله جل وعلا، والذبيحة من العبادات التي لا يجوز صرفها لغير الله، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162، 163] فهي من العبادات التي أمرنا بها في قول لله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2].
والعبد لما يخضع لله في أعماله كلها، ويجعلها له كان ذلك دلالة على إِقْرَاره بِقَلْبِه وَلسَانه وجوارحه، وخضوعَه خضوعاً مُطلقًا لله الْخَالِق الْوَاحِد الْوَاحِد الْأَحَد، الْفَرد الصَّمد، الَّذِي لَهُ كل صِفَات الْكَمَال والجلال، وعلى هذا أقام الله الكون، ومن أجله خلق الثقلين وغيرهما، قَالَ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] وقال سبحانه عن الملائكة: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 19، 20] وقال -جل وعلا- عن الكون كله بجميع مخلوقاته: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 43-44].
وَقد كَانَت دَعْوَة أَنْبيَاء الله -عز وجل- من نوح إلى نَبينَا مُحَمَّد كانت إِلَى عبَادَة الله وَحده، قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [36 النَّحْل] والعبادة هي غاية وجود الإنسان في هذا الكون، وَإِذا كَانَت كذلك فَإِن مفهومها لَا يقْتَصر على الْمَعْنى الْخَاص الَّذِي يرد إِلَى الذِّهْن وَالَّذِي يُضيِّق نطاقَها، فيجعلها محصورة فِي الشعائر الْخَاصَّة الَّتِي يُؤَدِّيهَا الْمُؤمن، وَلِهَذَا فَإِن حَقِيقَة الْعِبَادَة تبرز فِي الْمَعْنى الشَّامِل الَّذِي اخْتَارَهُ شيخ الْإِسْلَام ابْنُ تيميه -رحمه الله- بقوله: “الْعِبَادَة هِيَ اسْم جَامع لكل مَا يُحِبهُ الله ويرضاه من الْأَقْوَال والأعمال الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة”. [العبودية (ص: 44)].
وَعليه فَإِن الْعُبُودِيَّة الحقة لله -عز وَجل- تكون شَامِلَة لما افترضه الله –سُبْحَانَهُ- على عباده من الْفَرَائِض والطاعات والواجبات: كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَام، وَالزَّكَاة، وَالْحج، وصلَة الْأَرْحَام، وبر الْوَالِدين، وَالدُّعَاء، وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر.
وَهَكَذَا فكل عمل مَشْرُوع قُصد بِهِ مرِضَاة الله –تَعَالَى- مهما عظم شَأْنه أَو قل فهو عبادة، سواء كان حركة أو سكونا، أوَ قَولا أوَعَملا، سرا أو علنا، وَيأتي على رأس العبادات الصلاة، التي يجب أن نربي عليها أنفسنا وأبناءنا، فهي من أعظم فَرَائض الْإِسْلَام، فَهِيَ الرُّكْن الثَّانِي بعد الشَّهَادَتَيْنِ، وهي عماد الدّين الَّذِي لَا يقوم الدّين بغَيْرهَا، وَهي العون على احْتِمَال تكاليف الْحَيَاة ونوائب الدَّهْر، قَالَ تَعَالَى: { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ } [البقرة: 45].
وَهِي مُنَاجَاة من قِبَل العَبْد لرَبه، يَقُول النَّبِي -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم-: “إِن أحدكُم إِذا قَامَ فِي صلَاته فَإِنَّمَا يُنَاجِي ربه” [أخرجه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة، باب: المصلي يناجي ربه عز وجل ح: 531]
وَمن هُنَا جَاءَ كَون الصلاة عمادَ الدّين، وَأَنه لَا مكانة للاستقامة أَو التخلق بِخلق الْإِسْلَام إِذا لم تكن الصَّلَاة متحققة بالطريقة الَّتِي أوضحها الشَّرْع، وعَلى النَّحْو الَّذِي أَرَادَهُ الله للنَّاس بِأَن تُؤَدّى فِي الْمَسْجِد وَفِي جمَاعَة، لتحقق آثارا إيجابية في تقويم سلوكنا، وفِي إِيجَاد الألفة والمحبة بيننا، فهي تقَوِّي الروابط الروحيه وتشد الْمُجْتَمع بعضه إِلَى بعض، وتطهر الْمُجْتَمع من الرذائل وَالْفَوَاحِش، قَالَ تَعَالَى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ } [العنكبوت: 45] وَبِذَلِك يصبح أَفْرَاد الْمُجْتَمع متوادين ومتراحمين، عبادا لله صالحين.
فلنخلص لله في كل عباداتنا وأعمالنا عسى أن يتقبل الله منا ويرضى عنا، فاللهم وفقنا لما تحب وترضى من القول والعمل، وألهمتا الرشد والصواب والسداد، وارزقنا الإخلاص في كل مراد، فإنك ولي ذلك والقادر عليه آمين والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وإلى حلقة قادمة إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.



عذراً التعليقات مغلقة