بسم الله الرحمن الرحيم وصلى وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
حديث الجمعة: الحلقة الثانية والثلاثون:
الكبر والحياء من موانع التعلم.
الحمد لله رب العالمين، {لَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [الجاثية: 37] سبحانه القائل: {وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} [الأحزاب: 53] نشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، أفضل من تواضع لله فعَلِمَ وَعَلَّمَ، وجاهد في سبيل العلم حتى علمه الله ما لم يكن يعلم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فقد أسلفت في الركن الماضي بعض الحديث عن فضل العلم والتعلم بمناسبة الاستعداد للدخول المدرسي لموسم: 2015/2016م وواعدت بتخصيص بعض الحلقات لبيان أهمية العلم والتعلم في شريعتنا الإسلامية الغراء، حتى نزداد حبا للعلم وشغفا به، ونسلك سبيله المؤدي إلى جنات النعيم، مصداقا لقول نبينا الكريم، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، فيما أخرجه الإمام مسلم عن أبي هريرة –رضي الله عنه-: «… وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ …». [أخرجه مسلم في صحيحه من كتاب العلم، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر ح: 2699].
وحتى نحقق هذا العلم المؤدي بنا إلى معرفة الحق سبحانه ودخول الجنة، لا بد أن نبحث عن أسبابه المفضية إليه، ونتجنب عوائقة الصادة عنه، وعوائق طلب العلم كثيرة أقتصر منها اليوم على اثنين:
– الكبر.
– والحياء.
العائق الأول: الكبر، فالمتكبر يُصْرَفْ عن الاسْتِفَادة والإفَادة من العِلْم الشَّرعيّ؛ لأنه يرى نفسه أرفع وأحسن ذكاء من غيره، فلا يتواضع لشيخه، ولا يتواضع لأقرانه، فليتواضع طالب العلم بين يدي من يطلب العلم منه، وليتواضع بين أقرانه وزملائه، وليتواضع في سؤاله عما لا يدري، فلا يحملنه الكبر على عدم السؤال، وهذا مع الأسف هو الصارف لكثير من الناس عن التعلم، فالمتعلم قد يأخذ المعلومة من الصغير إذا ما تواضع، كما يأخذها من الكبير، فهي ضالته يبحث عنها أينما وجدها كان أحق بها، قال –صلى الله عليه وسلم: «الكَلِمَةُ الحِكْمَةُ ضَالَّةُ المُؤْمِنِ، فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا» [أخرجه الترمذي في أبواب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة ح: 2687].
فتواضع أخي المتعلم في طلب العلم واعلم أن الكبر صفة لا تليق إلا بالله عز وجل وحده، وأنه من نازع الله في هذه الصفة عذبه وحَرَمه جنته، قال -صلى الله عليه وسلم-: قال الله عَز وجلَّ: العِزُّ إِزارِي والكِبرِياءُ رِدائي، فَمن نَازعني بِشيءٍ مِنهُما عَذبتُه”. [أخرجه البخاري في الأدب المفرد بابا الكبر ح: 552 وصححه الألباني].
وفي صحيح الإمام مسلم من حديث عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ» : [أخرجه مسلم في صحيحه من كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر ح: 91].
فليحذر طالب العلم ولنحذر جميعا من هذه الصفات الذميمة التي يمقتها الله ويمقتها المؤمنون، فإن من تواضع لله رفعه، وأعلا شأنه، وخلد ذكره، ومن حدثته نفسه بشيءٍ من ذلك فليذكر مآله ومصيره، وليعلم أن هناك من هو أصغر منه سناً، وأكبر منه علماً، فإذا ما ستحضر ذلك ذل نفسه، وحمله ذلك على مزيد تحصيل العلم، وكلما زاد شبرا في العلم زاد ضعفه في التواضع، عكس الجاهل الذي يرى نفسه دائما أرفع من غيره، ورحم الله من قال وقد نسبه بعضهم إلى علي بن أبي طالب –رضي الله عنه-:
ملأى السنابل تنحني بتواضع ***** والفارغات رؤوسهن شوامخ
العائق الثاني: الحياء، فالحياء يعوق ويمنع من طلب العلم: والمراد به الحياء الشرعي، لأنَّ الحَيَاء في الشَّرع خيرٌ كُلُّهُ، والحَيَاء لا يَأتِي إلا بِخَيْر؛ كما ورد بذلك الحديث الصحيح، لكنْ الحَيَاء الممقوت في طلب العلم هو ذلك الحياء الذِّي يَمْنَع من تَحْصِيل العِلْم، ويَمْنَع من إنْكَار المُنْكَر، ويَمْنَع من تَوجِيه النَّاس ونُصْحِهِم، وإِرْشَادِهِم، ومِثل هذا مَذْمُوم، وحِينَئِذٍ لا يُدْرِك من العِلْم من اتَّصَفَ بهذا الوَصْف شيئا.
ومن كانت تلك صفتَه فقد يَجْلِس بين يدي شيخه أو أستاذه وفي نَفْسِهِ أشْيَاء مُشْكِلَة فَيَسْتَحِي أن يسأل عنها، فتستمر تلك الإشكالات، فلنرفع عنا حجاب الحياء الذي يمنعنا من التعلم، فقد روى البخاري في صحيحه أن أم المؤمنين عَائِشَةَ –رضي الله عنها – قالت: «نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ» [أخرجه البخاري تعليقا في كتاب العلم باب الحياء في العلم].
ولا يتنافي مع الحياء أن يجلس المتعلم متأدبا بين يدي من يعلمه، فإن هذا مطلوب وليس من الحياء المنهي عنه.
وإذا أتحفك شيخك أو معلمك بفائدة أو توضيح مشكل لا تظهر أنك قد عرفه قبل، بل تُصغى إليه إصغاء المتطلب اللهفان بشدة إلى الفائدة. ولو كنت تعلم ذلك قبل، ولهذا كان هذا الأدب مستحسناً مع كل أحد في العلوم والمخاطبات في الأمور الدينية والدنيوية.
فاللهم وفقنا واهدنا طريق كل خير يعلمنا، وأبعد عنا كل من يصدنا عن العلم والتعلم، فإنك ولي ذلك والقادر عليه آمين والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وإلى حلقة قادمة إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.



عذراً التعليقات مغلقة