بسم الله الرحمن الرحيم وصلى وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
حديث الجمعة: الحلقة الخامسة والعشرون:
تأملات شرعية ومقاصدية، في ذكرى عيد العرش الغالية.
الحمد لله رب العالمين، امتن علينا بنعمة الأخوة في الدين، فقال سبحانه وهو أصدق القائلين، {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا } [آل عمران: 103] فاللهم لك الحمد على ما أنعمت وأسديت، وعلى ما وفقت فهديت، لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضى، سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، نستغفرك ونتوب إليك، ونشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت سبحانك وحدك لا شريك لك، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبدك ورسولك، ومجتباك من خلقك ومصطفاك، اللهم صل وسلم وبارك وزد وأنعم عليه وعلى آله وصحابته والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فبعد توديعنا لرمضان واستقبالنا لشوال نصادف حدثا عظيما وذكرى غالية من ذكريات شعبنا المغربي المسلم، إنها ذكرى عيد العرش الذي يجدد ويذكر بعهد وثيق ومبدأ شرعي أصيل، جاءت به نصوص الشرع الحكيم، ودعت إلى المحافظة عليه تحقيقا لوحدة الأمة، وحفاظا على أمنها واستقرارها، إنه عهد البيعة الشرعية، الذي يجمع بين الراعي والرعية، والذي يعد الوفاء به عبادة لله عز وجل، وطاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، مصداقا لقول ربنا الكريم سبحانه: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34].
وقول النبي الصادق المصدوق فيما صح عنه: «بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي المَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ، وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا، لاَ نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ». [أخرجه البخاري في كتاب الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس، ح: 7199 ومسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية ح: 1709].
فعقد البيعة على السمع والطاعة وعدم منازعة الأمر أهله، دين يدين به العبد المسلم ربه؛ ليس تقليدا ولا تبعية، كما قد يظن ممن لا علم له بقواعد الشريعة الإسلامية؛ فهو امتداد للبيعة الشرعية النبوية؛ لذلك جاء قول الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 10]
والآية وإن وردت في سياق خاص عن بيعة الرضوان في صلح الحديبية، إلا أنها تعم كل بيعة شرعية؛ لأنها استمرار للبيعة النبوية؛ لذلك حَرَصَ أجدادنا وآباؤنا المغاربة في هذا البلد إلى يومنا هذا على أن يجددوا هذه البيعة كل سنة لمن ولاه الله مقاليد الحكم مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس حفظه الله ورعاه، ولمن سبقه من ملوك -رحمهم الله- ممن تعاقبوا على تسيير شؤون هذا البلد، ذلك أن المغاربة يدركون معنى البيعة الشرعية، وفوائد تلاحم الراعي والرعية، ولأن السلطان يحمي بيضة الإسلام، ويدفع عن حماه كل مكروه، ولذلك عرف الماوردي -رحمه الله- الإمامة والغاية منها وحكمها بقوله: “الإمامة: موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع وإن شذ عنهم الأصم. [الأحكام السلطانية للماوردي (ص: 15)]
والإمامة والخلافة مصطلحان مترادفان، وإن كان مصطلح الخلاقة أسبق، ومصطلح الإمامة أكثر ما يتردد عند الشيعة، والإمامية منهم خاصة، لكن المعنى يكاد يكون واحدا، وهو: رئاسة عامة في أمر الدين والدنيا، كما قال التفتازاني، أو: هي خلافة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في إقامة الدين وحفظ حوزة الملة، يجب اتباعه على كافة الأمة، كما قال عضد الدين الإيجي في شرح المواقف، أو: هي خلافة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كما قال الشيخ رشيد رضا في كتابه الخلافة. [حاشية الأحكام السلطانية للماوردي (ص: 15)]
وقد ناقش الماوردي –رحمه الله- قضية الخلافة هل هي واجبة بالعقل أو بالشرع، وعليه يمكن القول إنها واجبة بهما معا، وإن كنا نتحاكم إلى الشرع أكثر من تحاكمنا إلى العقل.
ومما يدل عقلا أن إقامة خليفة على المسلمين ومبايعته واجبة ما ذكر الماوردي –رحمه الله- إن طباع العقلاء مجبولة على التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم، ويفصل بينهم في التنازع والتخاصم، ولولا الولاة لكانوا فوضى مهملين، وهمجا مضاعين، وقد قال الأفوه الأودي، وهو شاعر جاهلي:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم *** ولا سراة إذا جهالهم سادوا.
أما في الشرع فقد جاء تفويض الأمور إلى ولي الله في الدين، قال الله -عز وجل-: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59]. [الأحكام السلطانية للماوردي (ص: 15- 16)]
فالبيعة طاعة قرنها الله عز وجل بطاعته وطاعة رسوله –صلى الله عليه وسلم- لما فيها من الحفاظ على جمع الكلمة وضمان الاستقرار والطمأنينة، وهو ما ينعم به –والحمدلله- بلدنا المغرب الحبيب، فمنذ قرون وأجيال ومنذ عهد الدولة الإدريسية الشريفة إلى عهد الدولة العلوية المنيفة، ظلت البيعة الشرعية قائمة تحفظ شمل المغرب وكلمته، وووحدته كيانه وهويته، وتحقق بناء صرحه وإتمام مشارعه، مما جعل بلدنا قبلة لأنظار العالم في الأمن والاستقرار ووحدة الكلمة.
وما من شك أن ذكرى عيد العرش التي تخلد في الثلاثين من يوليوز من كل سنة فرصة سانحة تذكرنا بواجبنا تجاه من ولاه الله أمورنا، وتدعوننا إلى تذكر واستحضار نعمة الله على بلدنا، ومحافظتنا على أخوتنا، وهي مما ينبغي لكل مواطن ومواطنة استحضاره في هذه المناسبة العظيمة الغالية عند المغاربة.
فاللهم إنا نسألك أن تديم على بلدنا نعمة الأمن والاستقرار، وتحفظنا من الفرقة والتنازع في الأمر، وأن تجعل بلدنا بلدا آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين في كل الأقطار، وأن تحفظ مولانا أمير المؤمنين بما حفظت به الذكر الحكيم، وأن ترزقه السداد والتوفيق في كل أمر يقصد به مصلحة شعبه وأمته، كما نسألك اللهم أن تهيأ له البطانة الصالحة التي تأمره بالخير وتعينه عليه، وأن تبعد عنه بطانة السوء التي تأمره بالشر وتحضه عليه يا قوي يا معين آمين.
وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ونبيك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
وإلى حلقة قادمة إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل
حديث الجمعة / الحلقة 25 : تأملات شرعية ومقاصدية، في ذكرى عيد العرش الغالية.
صوت سوس24 يوليو 2015



عذراً التعليقات مغلقة