“أيت الخِير” .. مغاربة متطوعون يجبرون الخواطر ويعطلون المساطر.

صوت سوس3 نوفمبر 2019
“أيت الخِير” .. مغاربة متطوعون يجبرون الخواطر ويعطلون المساطر.

صوت سوس : ميمون ام العيد

فُرادى أو جماعات، بتكليف من المعتدي أو عن تطوع ومحض إرادة، يقصدون المعتدى عليه ويطلبون منه ألا يتابع المعتدي قضائيا، وأن يُطويَ الملف، فالصلح خير.. يقترحون مبالغ مالية تختلف باختلاف الفعل المرتكب، ويطلبون من الضحية أن يأخذ المال ويتنازل ويرتاح من المحاكم التي لا يأتي من ورائها سوى المزيد من الصائر وضياع الوقت وانتشار العداوات.

قد يتعلق الأمر بخلافات زوجية أو عائلية، لكن تدخل “أيت الخير” يكون أحيانا في اعتداءَات ذات صبغة جنائية، كالضرب ومحاولة القتل والسرقات، بل حتى الاغتصاب والاعتداء على الأعراض. وكثيرا ما يتم تغيير معالم الوقائع إذا ما وصلت الأمور إلى علم السلطات، فيتفق الجميع على أن آثار تبادل الضرب مثلا إنما بسبب سقوط من علو ما، وهكذا.

قد تكون هذه الظاهرة منتشرة في الكثير من القرى المغربية أكثر من المدن، لكن الكثير من الأحياء الشعبية لا تخلو منهم أيضا؛ فحينما تقع جريمة أو جنحة يتم الاستنجاد بهؤلاء لفض النزاع دون أن يصل إلى “المخزن”؛ وكأن مهمتهم تخفيف العبء على القضاء دون أن تكلفهم الدولة بذلك.

القبول والمشروعية

ليس كل شخص يمكنه أن يقوم بدور “أيت الخير”، فبحسب سعيد صدقي، الباحث في علم الاجتماع، فإن هذه الفئة تلزمها الحظوة والمكانة الاجتماعية وأن تنعم بكاريزما تضفي على تدخلاتها طابع القبول والمشروعية والاحترام من قبل أفراد المجتمع؛ وإلا لن يكون لمبادرتهم أي صدى.

ويردف المتحدث نفسه، في تصريحه للجريدة ، بأن “التاريخ عرف نماذج مختلفة لمثل هذه التدخلات، مثل دار الغضبانة التي كان دورها الصلح بين الزوجين والحد من حالات الطلاق”.

قد لا ينجح المبادرون بإصلاح ذات البين في مهمتهم الخيرة دائما، إذ يزيد صدقي أن “أهل الصلح يعيدون الأمور إلى نصابها أحيانا، لكن في أحيان أخرى يكون التدخل سلبيا؛ وذلك في الجرائم المتعلقة بالشرف أو غير القابلة لجبر الضرر المادي، كالاغتصاب مثلا، إذ يصبح التستر وقتها تحريضا على الفعل”؛ ثم يردف: “عندما يكون الفاعل من ذوي النفوذ مثلا يصبح التدخل بمثابة ترجيح كفة على أخرى، ومن شأنه أن يعمق الهوة بين الطبقات ويزيد من حدة الفوارق الاجتماعية”.

مع ذلك يصر سعيد صدقي على أن دور هذه الفئة في إصلاح ذات البين تراجع كثيرا مقارنة بالسنوات الفارطة، إذ يقول: “دور هذه الفئة بدأ في التلاشي أمام تطور القوانين وانتشار المحاكم وقربها، فالقانون يتدخل حتى في الحالات التي تعرف الصلح إن كانت تمس الحق العام”؛ ثم يضيف: “كما أن الجرائم التي تمس بالأخلاق تنتشر بسرعة البرق بفضل وسائل الاتصال الحديثة التي اختصرت الزمان والمكان، فالقرى المغربية والأحياء الهامشية حتى وإن كانت معزولة جغرافيا فهي مكشوفة للعالم بفضل وسائل التواصل، ما يعجل بتدخل القانون ليسحب البساط من هذه الفئة التي ترغب في طي الملفات، ما جعل مجال تدخلها ضعيفا مقارنة بالماضي”.

عدم التبليغ عن جريمة

كثيرة هي الحالات التي تحدث فيها جريمة ما ويتم الاتفاق على طيها بتدخل “أيت الخير”، فيحصل الصلح، إلا أن اليزيد كونكا، وهو محام، أورد في تصريح للجريدة أن المشرع المغربي ضمن إمكانية إجراء الصلح وفق ضوابط وإجراءَات حددها بتفصيل.

وزاد المتحدث نفسه أن “الصلح أو تنازل الضحية لا يؤثر في الدعوى العمومية التي تبقى قائمة بتحريكها من قبل النيابة العامة”، مضيفا أنه “في حالة حدوث جريمة والتستر عنها من قبل أهل الصلح فإن ذلك يدخل في عدم التبليغ عن جريمة”.

الصلح في القانون المغربي

حدد المشرع المغربي شروطا لإبرام الصلح، إذ يلزم لإجرائه التمتع بأهلية التفويت بعوض في الأشياء التي يرد الصلح فيها. ولا يجوز الصلح في المسائل المتعلقة بالحالة الشخصية أو النظام العام، كما لا يجوز بين المسلمين على ما لا يجوز شرعا التعاقد عليه، كما لا يجوز على حق النفقة.

أما في القوانين الجنائية فهناك مجالات سمح للأطراف بإبرام مصالحة بشأنها، يترتب عنها وضع حد للمتابعة، مثل قضايا إهمال الأسرة، والخيانة الزوجية، والسرقات بين الأقارب؛ فقد سمح المشرع المغربي بإبرام الصلح فيها نظرا لطابعها الاجتماعي والأسري.

كما جعل المشرع المغربي الصلح في المادة الجنائية من اختصاص النيابة العامة التي تتوفر على سلطة تقديرية في التحري والبحث عن مباشرتها إجراء الصلح.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة