حديث الجمعة
الحلقة (149)
نعمة المطر وعلاقتها بالبعث والمحشر
الحمد لله رب العالمين، جامع الناس ليوم لا ريب فيه، نحمده حمدا يليق بكماله، حمدا لا نهاية لعدده، ونشكره على جزيل عطائه، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد النبي الأمي عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد :
فيقول ربنا الكريم -عز من قائل سبحانه-: {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الروم: 48 – 50].
أيها القارئ الكريم: تطرقنا في الحلقة الماضية إلى موضوع شكر نعمة المطر، وبينا أن الغيث رحمة من الله –عز وجل- إلى المخلوقات كلها على وجه هذه الأرض، إنسيها وجِنيها، طيرها وشجرها ودوابها، وجميعِ ما خلق الله –عز وجل- عليها، قال -تعالى-: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30].
وبينا أن على العبد بعد أن يدرك ذلك عليه أن يكثر من الحمد والشكر والثناء على الله عز وجل، استزادة من فضل الله العظيم، وخزائنه التي لا تنفد ولا تنقضي.
وفي حلقة اليوم نُذَكِّرُ أنفسنا بإشارة لطيفة عجيبة ربطها القرآن الكريم بنعمة المطر، الذي يحي به الله -عز وجل- الأرض بعد موتها، إنها المشار إليها في هذه الآية بقول الله –سبحانه-: {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فكما أحيا الله –سبحانه- الأرض الميتتة اليابسة وأخرج منها النبات، بعد أن أنزل غيثه ورحمته عليها، كذلك يحي سبحانه الموتى من المخلوقات، يحييهم ويبعثهم للنشور والجزاء والحساب، قال -تعالى-: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ } [ق: 9 – 11].
فيوم البعث يوم آت لا ريب فيه، يصدق به المؤمنون الموحدون؛ لأنهم عملوا للقاء ربهم، وأعدوا الزاد لذلك اليوم، ويكذب به الكافرون المشركون؛ لأنهم لا أمل لهم ولا رجاء، حيث لم يقدموا من العمل ما يرجون به دار البقاء.
أيها القارئ الكريم: يوم البعث يوم مشهود تعددت أسماؤه لعظيم هوله، فهو يوم الحشر والنشور، ويوم الفصل والقيامة، ويوم الدين والحساب، ويوم ترجف الراجفة، تتبعها الرادفة، حين تَحُقُّ الحاقة، وتَقَعُ الواقعةُ والقارعة، وتجيء الصاخةُ والطامة، يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين، ذلك يوم الخروج، يوم تبلى السرائر، وتتكشف خبيئات الضمائر، وحينئذٍ يكون كلُّ إنسانٍ حسيبَ نفسه ورقيبَ عملِه، قال -تعالى-: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء: 13، 14]. تشهد عليه صحائفه، وتحكم عليه أعماله، وتنطق عليه جوارحه، {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [يس: 65] {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [فصلت: 19، 21].
أيها القارئ الكريم: َرَوَى التِّرْمِذِيُّ بسنده إلى أمير الـمؤمنين عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه- قال: “حاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحاسَبُوا، وَزِنُوا أَعْمالَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، وَإِنَّما يَخِفُّ الحِسابُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى مَنْ حاسَبَ نَفْسَهُ في الدُّنْيا، وَتَزَيَّـنُوا لِلْعَرْضِ الأَكْبَر”ِ أى: يوم عرض الأَعمال في الآخرة، قال –تعالى-: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة 18].
فعلى كل عاقل منا أن يحاسب نفسه لذلك اليوم قبل الحساب، وأن يزن له عمله قبل وزن الأعمال، وأن يقف وقفة تأمل قبل وقفة العرض على رب العالمين.
فاللهم كن لنا في الدنيا والآخرة وليا ونصيرا، ومن النار يوم لقائك مخلصا ومجيرا، وأسكنا جنتك مع عبادك الأبرار، برحمتك وعفوك وجودك يا عزيز يا غفار، آمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.




عذراً التعليقات مغلقة