بسم الله الرحمن الرحيم
حدبث الجمعة
الحلقة: (186)
يوم عاشوراء في ميزان الشرع.
الحمد لله رب العالمين، جعل في تقلب الزمان أعظم مستفاد للعباد، نحمده على ما تفضل به من نفحات ربانية تتوالى علينا في كل وقت وآوان، ونستغفره مما صدر منا من ذنوب وخطايا ونتوب إليه وهو الرحيم الرحمان، واسع الفضل والإحسان، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد خير ولد عدنان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين ما تعاقب الزمان، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
أما بعد :
فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: “قدم رسول الله المدينة فرأى اليهود تصوم عاشوراء فقال: “مَا هَذَا الْيَوْمُ الذِي تَصُومُونَهُ؟” قالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرا، فنحن نصومه، فقال رسول الله: “فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ” فصامه رسول الله وأمر بصيامه. قالوا: يا رسول الله: إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى! فقال: “فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْقَابِلُ –إِنْ شَاءَ اللهُ- صُمْتُ التَّاسِعَ” فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله. [رواه البخاري ومسلم].
أحبتي القراء الأعزاء: نعيش الأسبوع الثاني من شهر الله المحرم، الذي فضله الله بمزايا على غيره، وجعله أحد الأشهر المحرمة، وقال النبي –صلى الله عليه وسلم- في فضله: “أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل”. [رواه مسلم].
وفي هذا الشهر يوم عاشوراء الذي قال عنه النبي –صلى الله عليه وسلم- مبينا فضله: “صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ” رواه أبو داود في سننه].
فالصيام هو المشروع في هذا اليوم، أعني يوم عاشوراء، أما ما يزيده البعض من الناس بوعي أو بغير وعي، فليس من الإسلام في شيء، وأشده تحريما ما يفعله أهل التشيع الروافض من البكاء والعويل ولطم للخدود وشق للجيوب، حُزْناً في زعمهم على مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما، مع ما يضيفونه إلى ذلك من تعذيب أنفسهم وضرب لها بالسلاسل والسكاكين لإسالة الدماء من وجوههم وصدورهم وظهورهم، والتقرب بذلك إلى الله في زعمهم.
وذلك كله من البدع المحدثة، والمنكرات الظاهرة، ومن كبائر الذنوب التي تبرأ رسول الله من مرتكبيها حيث قال –صلى الله عليه وسلم-: “لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ” [متفق عليه].
وعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ. [متفق عليه].
والصالقة: هي التي ترفع صوتها بالنياحة والندب.
والحالقة: هي التي تحلق رأسها عند المصيبة.
والشاقة: هي التي تشق ثوبها عند المصيبة أيضا.
فكل عمل يدل على الجزع والتسخط وعدم الرضا بقدر الله وقضائه فإنه محرم.
ويضاف إلى ذلك ما في هذه الأعمال البدعية المؤذية للأبدان من حماقة وسفاهة وتشويه لصورة الإسلام، وتنفير لغير المسلمين من الدخول فيه.
ويقابل هؤلاء فرقة أخرى ناصبوا العداوة والبغضاء للحسين رضي الله عنه، فيتخذون من يوم عاشوراء عيدا، ويظهرون فيه الفرح والسرور، ويلبسون الجديد، ويتبادلون الهدايا، ويصنعون أطعمة غير معتادة، وهذا كله من البدع المحدثة، والضلالات المنكرة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “وَرَوَوْا أَنَّهُ مَنِ اكْتَحَلَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ لَمْ يَرْمَدْ ذَلِكَ الْعَامَ، وَمَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ لَمْ يَمْرَضْ ذَلِكَ الْعَامَ، فَصَارَ أَقْوَامٌ يَسْتَحِبُّونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ الِاكْتِحَالَ وَالِاغْتِسَالَ وَالتَّوْسِعَةَ عَلَى الْعِيَالِ وَإِحْدَاثَ أَطْعِمَةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ. وَهَذِهِ بِدْعَةٌ أَصْلُهَا مِنَ الْمُتَعَصِّبِينَ بِالْبَاطِلِ عَلَى الْحُسَيْنِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَتِلْكَ بِدْعَةٌ أَصْلُهَا مِنَ الْمُتَعَصِّبِينَ بِالْبَاطِلِ لَهُ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَلَمْ يَسْتَحِبَّ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ لَا هَذَا وَلَا هَذَا، وَلَا فِي شَيْءٍ مِنِ اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ، بَلِ الْمُسْتَحَبُّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ الصِّيَامُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَامَ مَعَهُ التَّاسِعُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْرَهُ إِفْرَادَهُ بِالصِّيَامِ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ. [منهاج السنة النبوية (4/555 – 556)].
والبعض الآخر ارتبطت عنده يوم عاشوراء بزيارة المقابر، وآخرون بالسحر والشعوذة.
وعند أبنائنا في بعض الأماكن عادات سيئة ترتبط بعاشوراء منها التراشق بالماء والبيض وشعل النار والضرب بالدفوف وتفجير المفرقعات، وغير ذلك من التقاليد المنكرة وسيئ العادات، فالشرع ينهى عن ذلك كله، ويأمر باتباع خير الهدي الذي يكمن في هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
فليكن لنا من يوم عاشوراء المشروع الذي يكفر الله به ذنوب سنة، وهو صوم يوم واحد لله، فربنا عظيم وكريم سبحانه، يقبل التوبة، ويعفو عن السيئة، جعل سبحانه مكفرات الذنوب كثيرة، منها الصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة، والحج يكفر ذنوب العمر كله.
فاغنم أيها المسلم من فضل الغني الكريم، وصم التاسع والعاشر من المحرم، حتى تفوز بالفضل الأجزل الأعظم، فإن نبيك –صلى الله عليه وسلم- قال: “لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ” أي: يصوم تسعة وعشرة من محرم مخالفة لليهود الذين كانوا يصومون يوم عاشوراء، فأراد أن يخالفهم بأنه يصوم تاسوعاء وعاشوراء، وتاسوعاء فيه فضيلة الصيام، وفضيلة مخالفة اليهود، وعاشوراء فيه فضل تكفير ذنوب السنة.
نسأل الله –تعالى- أن يوفقنا للسبق للخيرات، والإحراز على فضل الطاعات، وأن يجعلنا جميعا على هدي نبينا سائرين، غير مبدلين ولا مغيرين، وفي أعمالنا لله مخلصين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، آمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل




عذراً التعليقات مغلقة