بسم الله الرحمن الرحيم وصلى وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
حديث الجمعة: الحلقة الواحدة والثلاثون:
فضل العلم والتعلم.
الحمد لله رب العالمين، علم الإنسان ما لم يعلم، وكان فضل الله عليه عظيما، نحمده جل وعلا الذي أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا، ومنحنا أدوات التعلم؛ لنحارب الأمية والجهل والتخلف، ونشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، رب كل شيء ومليكه، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، أفضل من عَلِمَ وَعَلَّمَ، وجاهد في سبيل العلم حتى علمه الله ما لم يكن يعلم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فبمناسبة الاستعداد للدخول المدرسي لموسم: 2015/2016 أخصص بعض الحلقات لبيان أهمية العلم والتعلم في شريعتنا الإسلامية الغراء، حتى نزداد حبا للعلم وشغفا به، ونسلك سبيله المؤدي إلى جنات النعيم، مصداقا لقول نبينا الكريم، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، فيما أخرجه الإمام مسلم عن أبي هريرة –رضي الله عنه- «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ». [أخرجه مسلم في صحيحه من كتاب العلم، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر ح: 2699].
ذلك أن بالعلم يعبد الخالق جل وعلا، وبالعلم يعرف الحلال والحرام والحقوق والواجبات، وغير ذلك مما لا يستطيع العقل البشري الوصول إليه دون استعانة بالعلم، ولذلك كان للعلم مزيةٌ وفضيلة على العقل.
وقديما قيل:
علم العليم وعقل العاقل اختلفا *** من ذا الذي منهما قد أحرز الشرفا
فقال العلم أنا أحرزت غايتـــــــــــه *** وقال العــــقل أنا الرحمن بي عرفــــــــــــــــــــــــا
فأفصح العلم إفصاحا وقال لـــه *** بأينا الرحمن في قرآنه اتصفـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
فبان للعقل أن العلـــم سيـــــــــده *** فقبل العقل رأس العلــــــم وانصرفـــــــــــــــــا.
ينظر [صيد الأفكار في الأدب والأخلاق والحكم والأمثال (1/ 13).]
والله جل وعلا لما أخرجنا من العدم أخرجنا أميين لا نكتب ولا نحسب، والذي لا يكتب ولا يحسب يدعى أميا؛ نسبة إلى الحالة التي وضعته عليها أمه، وهو أنه خرج لا يعرف شيئا فبقي كذلك ولم يتعلم.
لكن الله جل وعلا منحنا أدوات التعلم من أجل اكتساب المعرفة واستثمارها فيما يفيد وينفع، قال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] أي: علمكم سبحانه وتعالى عن طريق ما جعل لكم من منافذ المعرفة.
وجاء التعبير بالجار والمجرور (لكم) مع تقديمه؛ للدلالة على العناية والرعاية.
ولكن لماذا الترتيب بين السمع والأبصار والأفئدة؟
لعل الترتيب بين السمع والأبصار والأفئدة إنما هو ترتيب إيجاد، فأول ما يدرك به المولود هو السمع، وبعدها بفترة البصر؛ لأن الإدراك بحاسة الإبصار عنده في أيامه الأولى غير مكتملة بعد، ثم تتكون عنده بعد ذلك الإدراكات الأخرى من مفاهيم وأحاسيس ومعرفة، وهذا التعقل إنما هو الفؤاد. [التفسير البياني لما في سورة النحل من دقائق المعاني (ص: 157، بترقيم الشاملة آليا)]
لذلك وجب على كل مخلوق أن يوظف هذه الأدوات فيما ينفعه، وأعظم ما ينتفع به العبد العلم؛ لأنه الدال على كل خير، والمبصر بكل حق وواجب، ولذلك الله جل وعلا لم يأمرنا بطلب الاستزادة من شيء إلا العلم، فقال سبحانه: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: من الآية: 114].
وإذا اقترن العلم بالإيمان رفعَ الله صاحبه وأعلا من شأنه في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة من الآية: 11].
ولذلك كان من الواجب علينا جميعا أن نتعلم ونعلم أبناءنا وبناتنا ونوجههم الوجهة الصحيحة التي أمر بها ديننا الإسلامي الحنيف، فهم الذين سيتولون القيادة في المستقبل وتوجيهَ سفينةِ المجتمع وإدارةَ شؤونه؛ فإذا قمنا اليوم بتعليمهم وتوجيههم تخلصت مجتمعاتنا من أمراض اجتماعية خطيرة باتت تهدد ديننا وأمننا واستقرارنا وأخوتنا، وما انتشار الرِّشوة والمخدراتِ والجرائمِ بشتى أنواعها إلا نتيجةٌ للجهل والأمية المتفشية في المجتمعات.
فكلُّ شرٍ وبلاءٍ وفسادٍ وداء في عقيدة الأمة وعباداتها وتصوراتها وأفكارها وسلوكها وأخلاقها، إلا والجهل مصدره.
وأولياء أمور تلامذتنا والمدرسون يقع عليهم العبء الأكبر في توجيه أبنائنا وبناتنا وبيان الطريق الأسد والأصوب لهم، فهم أمانة في أعناقهم، فلنستحضر هذه الأمانة والمسؤولية أيها المعلمون المربون، ولنؤثرْ بسلوكنا وأخلاقنا فيمن نعلم، وليكن شعارنا جميعا آباءَ ومدرسين قولَ الله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33]
ألا فليعلم كل من المدرس وولي أمر التلميذ أنه راع فيهم، ومسؤول عنهم، ومطلوب منه النصح لهم.
وليعلم أنه «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» كما جاء بذلك الحديث الصحيح عند الإمام مسلم. [أخرجه مسلم في صحيحه من كتاب الإيمان، باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النارح: 142].
وليعلم كل واحد منا أنه إن تركنا هذه البراعم الغضة دون توجيه ستعصف بها رياح الشهوات، وإن أعداء الإسلام سيجلبون عليها بخيلهم ووسوستهم حتى يسلخوهم من دينهم.
وليعلم كل من اشتغل بالتدريس: أن أقل ما ينتظر منه أن يكون مظهره إسلامياً، وأن يتفق قوله وفعله وسلوكه مع روح الإسلام ومبادئه.
فاللهم اهدنا ووفقنا لتأدية ما علينا من حقوق تجاه من له الحق علينا من آبائنا وأولادنا وإخواننا والمسلمين أجمعين، آمين والحمد لله رب العالمين.
وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ونبيك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وإلى حلقة قادمة إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.



عذراً التعليقات مغلقة