يُـــــعد النموذج المغربي من النماذج التي عرفت استقرارا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا بشمال افريقيا منذ عقود، وهو النموذج الوحيد الذي لم تنل منه رياح ما يسمى الربيع العربي التي أعادت دولها إلى غيابات الظلم والطغيان وقانون الغاب، فصارت دولا بلا حضارات ولا تاريخ ماعدا رائحة الموت المنبعثة من تحت أنقاض ما شيدته أيادي الأحرار في زمن النضال.
فالنموذج المغربي الذي يعد الاستثناء من هذا كله، لم يأت من قبيل الصدفة، بل للبلد رب يحميه، فقد فطن رجالاته من أبناء الوطن الحبيب لتلك الخيوط المتشابكة التي كانت تحاك ضده للنيل من استقراره وأمنه، فسارع ملكه الشاب إلى ضبط حركة الشارع من خلال الاعلان عن دستور جد متقدم نال ثقة المنتظم الدولي الذي وقف له اجلالا واكبارا، جنّب البلاد والعباد ويلات الحروب وسيناريوهات عدة قد تأتي على الأخضر واليابس في حالة عدم التعامل معها بنوع من اليقظة واللحمة بين بني الوطن الواحد.
قد يقول قائل جاحد، أو متعنت جاهل، إن كل هذا إنما هو من مخيلات كاتب المقال ليس إلا، ونحن نقول له، على مهلك يا هذا، فأساس الموضوع هو أن النموذج السياسي المغربي ظل ولا يزال عصيا على خصومه والمتربصين بأمنه واستقراره، فبعد تخطيه بنجاح لعاصفة ما يسمى بـــ”الحريق العربي”، والخروج منها بمكاسب عدة ساهمت في خلق نوع من المصالحة مع الذات، وتغليب مصلحة الوطن على المصالح الشخصية الضيقة، بات معها كل فرد من أفراد هذا الوطن الحبيب ملما بكواليس ما يحاك في الخفاء للنيل من أمن وأمان واستقراره، مقدما بذلك دروسا في الوطنية، فبعد ذلك كله وعلى الرغم من القيل والقال وكثرة السؤال من قبل خصوم الوحدة الترابية الذين يعملون ليل نهار لزرع بذور التفرقة بين أبناء الوطن الواحد، انتقل هؤلاء المتربصين إلى أسلوب المراهنة على المسيرات والخرجات السلمية التي يقودها أبناء منطقة الحسيمة الأحرار ومعهم كافة الفعاليات السياسية والنقابية والجمعوية والحقوقية تضامنا مع سماك الحسيمة الذي قضى نحبه سحقا داخل شاحنة لنقل النفايات، وهي المراهنة التي خرج من خلالها المراهنون خاسرين مهزومين حين رأوا بأم أعينهم كيف لهذه المسيرات السلمية التي ظلت لشهور دون ان تخرج عن اطار سلميتها.
والمتتبع لهذه الأحداث الذي بدأت تأخذ مسارها الطبيعي نحو حلحلة الامور تجاوبا مع مطالب المحتجين الاجتماعية والاقتصادية التي يحق لهم المطالبة بها إسوة بباقي إخوانهم في باقي المدن المغربية، إلا أنه وفي خضم هذه التحولات، لازال العديد من المتتبعين يرون أن الحملة الإعلامية المسعورة التي تقودها قناة فرانس 24 وتسويقها لهذه الاحتجاجات وتضخيمها وإعطائها أكثر من حجمها في صورة مفبركة تحمل في طياتها حقدا دفينا يعلم الله وحده من يقف وراءه، على الرغم من أن هذه القناة تضم بين ثناياها إعلاميين مغاربة كان بالأحرى احترام مشاعرهم، بدل الصيد في الماء العكر وتلفيق صور مفبركة لإشعال نار الفتنة بغرض التشويش على الموقف البطولي الذي أبان عنه المغاربة قاطبة حين خرجوا مسالمين في نظام وانتظام واضعين نصب أعينهم مصلحة الوطن وكرامته وعزته.
فبعد التغطيات الصحفية المهنية للعديد من القنوات العالمية التي أبان صحافيوها عن علو كعبهم في نقل الحقائق دون املاءات من أحد، اختارت قناة فرانس 24 منحى مغاير بأسلوب التحامل والخروج عن المسار المهني لتركب سفينة القصف المجاني المجانب للحقيقة، من خلال تخصيص برامج وفقرات اخبارية ممزوجة بالافتراء عن احتجاجات الحسيمة السلمية، ولسان حالها يتحدث عن سيناريوهات مشابه لتلك التي عاشتها سوريا وليبيا وغيرها من البلدان العربية، متناسية في الوقت ذاته مدى درجة الوعي لدى المغاربة وتلاحمهم وتعلقهم بهويتهم وثقافتهم التي هي سر قوتهم وصمودهم في وجه المخططات العدوانية.
أولى هفوات هذه القناة التي ضربت عرض الحائط كل الشعارات التي ظلت تتغنى بها، (أولى هفواتها) هو انتهاكها لحرمة القانون المغربي، عبر لجوئها في وقت سابق إلى تصوير حلقة مشبوهة عن “حراك الريف” بشكل سري،متجاهلة كل المساطر القانونية والضوابط المنظمة لمجال التصوير بالمغرب، وخاصة ما يتعلق بإشعار السلطات الوصية، ممثلة في وزارة الاتصال، وشرع في توجيه الدعوة إلى مجموعة من الضيوف، من أجل تصوير الحلقة سريا.
كما لم تقف محاولات هذه القناة عند هذا الحد، بل تمادت في معالجتها الإعلامية للشأن المغربي بنوع من فقدان التوازن والانصاف والحياد المهني الذي يحمل في طياته تحاملا واضحا على صورة المملكة، ورموزها، ومؤسساتها، مما يطرح أكثر من علامة استفهام حول الخط التحريري للقناة الفرنسية، على الرغم من أن المغرب يمثل نموذجا متفردا في المنطقة، ويعرف انفتاحا واسعا على وسائل الإعلام.
لم تقف هفوات القناة كما قلنا عند هذا الحد بل واصلت استهدافها للمغرب من خلال روبورطاجات أعدتها في أوقات سابقة حول أحداث الريف، حين أقحمت فيه صور احتفالات الشغيلة الفينزويلية خلال الفاتح ماي لا علاقة لها بالموضوع، على أنها لاحتجاجات في الحسيمة، مع تعمد مزجها بمشاهد لأجواء التوتر والتظاهر في دولة فنزويلا، وتقديمها لمشاهدي القناة الفرنسية حول العالم على أنها صور من منطقة الريف، وهو فعل غير هين يتطلب تعاملا يوازي الجرم..
صوت سوس : محمد منفلوطي




عذراً التعليقات مغلقة