حديث الجمعة
الحلقة: (112)
{تحريم أكل أموال الناس بالباطل}
الحمد لله رب العالمين، القائل في محكم تنزيله وهو أصدق القائلين: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] نحمده على ما أولى من نعم تثرى، سبحانه له الحمد في الأولى والآخرة، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد صاحب المعجزات الباهرة، والرسالة الخاتمه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأنجم الزاهرة، والتابعين ومن تبعهم إلى يوم القيامة، وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد؛
فننقل حديث الجمعة من الاعتقادات والأخلاق إلى أحكام المعاملات؛ لنقف في ركن اليوم وبعده مع نوع من أنواع البيوع الفاسدة، التي إن لم يَـحْذَرِ البائع إياها أدخل الحرام إلى بطنه، وأنفق منه على أهله، فكان وبالا وحسرة عليه في الدنيا والآخرة، في الدنيا لما ينتج عن ذلك من أكل الحرام الذي تترتب عليه أمراض ومشاكل اجتماعية لا حصر لها، كعدم الطمأنينة وراحة البال، والخوف من المستقبل وغير ذلك.
وفي الآخرة لما يتبع ذلك من سؤال وحساب ومطالبة بتأدية الحقوق إلى أصحابها؛ لقوله –عليه الصلاة والسلام-: «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ، مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» [رواه مسلم].
وأنواع البيوع الفاسدة الرائجة بين الناس اليوم كثيرة، قل من يعرف حرمتها ونوعها؛ لأن الكثير قد أهمل تعلم أحكام المعاملات الجائزة المشروعة، وأصبح لا يبالي بأكل الحرام حينما يزيد الربح ويتضاعف الكسب، إلا من رحم الله.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29]
أوضح ابن العربي –رحمه الله- وفصل في البيوع المنهي عنها التي تدخل في أكل أموال الناس بالباطل وحصرها في ستة وخمسين نوعا منهيا عنه، وبين –رحمه الله- أنها ترجع في التقسيم الصحيح إلى سبعة أقسام:
منها ما يرجع إلى صفة العقد. ومنها ما يرجع إلى صفة المتعاقدين. ومنها ما يرجع إلى العوضين. ومنها ما يرجع إلى حال العقد. ومنها ما يرجع إلى وقت العقد.
كما بين –رحمه الله- أنها لا تخرج في عمومها عن ثلاثة أقسام: وهي الربا، والباطل، والغرر.
ومعلوم أن البيع إذا خلا من وصف يفسده فهو بيع مشروع بدليل الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فمن الكتاب قول الله –تعالى-: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275].
وأما السنة: فلقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد سئل عن أطيب الكسب فقال: «عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُور» [رواه الإمام أحمد].
كما أجمعت الأمة على جواز البيع والتعامل به من عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى يومنا هذا، لحكمة التوسعة منه على العباد، فإن لكل فرد من أفراد النوع الإنساني ضرورات من الغذاء والكساء، وغيرها مما لا غنى للإنسان عنه ما دام حيا، وهو لا يستطيع وحده أن يوفرها لنفسه؛ لأنه مضطر إلى جلبها من غيره.
وليس ثمة طريقة أكمل من المبادلة، فيعطي ما عنده مما يمكنه الاستغناء عنه بدل ما يأخذه من غيره مما هو في حاجة إليه [فقه السنة 3/47].
تعريف البيع:
عرف البيع بأنه: مبادلة مال بمال على سبيل التراضي، وإذا كان البيع مشروعا، فإن المشروعية تقتصر على بيع لم يحتو على صفة من الصفات التي تجعله محرما، وما أكثر تلك الصفات التي تفسد البيع وتحوله إلى بيع فاسد محرم، وسأذكر منها في حلقات ما يسمح الوقت بذكره، وأول نوع نتتطرق إليه من تلك الأنواع في حلقة اليوم:
بيع المسلم على أخيه المسلم:
تعريفه: هو: “أن يوقف رجل سلعة للبيع فيخاطبه رجل على شرائها منه، فيركن إلى مبايعته، فيأتي رجل آخر فيعرض عليه سلعة مثل تلك السلعة بأدنى من ثمنها ليفسد على البائع ما شرع فيه من البيع” [التفريع في فقه الإمام مالك2/109].
قالوا: “وفي معناه: الشراء على الشراء، وهو أن يدعو البائع إلى الفسخ ليشتريه منه بأكثر” [إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (2/113)].
والأصل في النهي عنه قوله –صلى الله عليه وسلم-: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَكْذِبُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا -وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ» [رواه مسلم].
والنهي عند المالكية مقيد بالتراكن وقرب الاتفاق، والتوافق على السلعة ولم يبق بين البائع والمشتري إلا إتمام العقد [شرح الزرقاني على مختصر خليل وحاشية البناني (5/3)].
وقد استنبط بعض الفقهاء من قوله –صلى الله عليه وسلم-: «وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ…» أن هذا حق للمسلم على المسلم، فلا يساويه الكافر في ذلك، بل يجوز للمسلم أن يبتاع على بيع الكافر، ويخطب على خطبته، وهو قول الأوزاعي وأحمد، كما لا يثبت للكافر على المسلم حق الشفعة عنده، وكثير من الفقهاء ذهبوا إلى أن النهي عام في حق المسلم والكافر. [جامع العلوم والحكم (2/270)].
كما اختلفوا هل النهي للتحريم أو التنزيه، فمنهم من قال: هو للتنزيه دون التحريم، والصحيح الذي عليه جمهور العلماء: أنه للتحريم.
ويدخل في هذا الباب الخطبة على الخطبة فهي أيضا منهي عنها بنص الحديث: «نَهَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يَبِيعَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلاَ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَتْرُكَ الخَاطِبُ قَبْلَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الخَاطِبُ» [رواه البخاري].
قال ابن رشد في البيان والتحصيل: “ليس على عمومه في كل حال، وإنما معناه عند مالك وعامة العلماء إذا ركن المخطوب إليه إلى الخاطب.
فلا بأس أن يخطب الرجل على خطبة أخيه ما لم تركن المرأة إليه وتُقَارِب الرضى به، ولا بأس أن يجتمع الاثنان والثلاثة في الخطبة، وقد فعل ذلك عمر بن الخطاب، خطب امرأة من دوس على مروان بن الحكم، وعلى ابنه عبد الله وكانا سألاه ذلك، فخطبها عليهما وعلى نفسه، فرضيت بذلك، بدليل حديث فاطمةَ بنتِ قيس قالت: لما حَلَلْتُ أتيت رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جَهْمٍ خطباني فقال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ». قالت: فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: «انْكِحِي أُسَامَةَ»، فَنَكَحْتُهُ، فَجَعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا، وَاغْتَبَطْتُ بِهِ» [رواه مسلم].
قالوا: لما خطب رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فاطمة على أسامة بعد علمه بخطبة معاوية وأبي جهم علم بجواز ذلك في تلك الحال، وَتَخَصَّصَ ذلك من الحديث الأول، وثبت النهي فيه في الحال التي فيها الركون ومقاربة الرضى…”. [البيان والتحصيل (4/453 – 454)].
فإن وقع العقد بعد الركون للأول فقيل: يفسخ مطلقا وعكسه، وقيل: يفسخ قبل الدخول لا بعده وهو المشهور. [شرح ابن ناجي على متن الرسالة (2/13)].
هذا النوع الأول من أنواع البيوع الفاسدة المنهي عنها وسنتابع الحديث –إن شاء الله تعالى- في الأسبوع القادم عن نوع آخر من هذه البيوع، إلى ذلكم الحين، أسأل الله عز وجل لي ولكم الثبات، والستر في الدنيا والآخرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه آمين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.
حديث الجمعة / الحلقة 112 : تحريم أكل أموال الناس بالباطل
صوت سوس30 مارس 2017




عذراً التعليقات مغلقة