حديث الجمعة / الحلقة 110 : تكريم الإسلام للمرأة باعتبارها أما

صوت سوس16 مارس 2017
حديث الجمعة / الحلقة 110 : تكريم الإسلام للمرأة باعتبارها أما

حديث الجمعة
الحلقة: (110)
{تكريم الإسلام للمرأة باعتبارها أما}
الحمد لله رب العالمين، الملك الحق المبين، عالم الغيب والشهادة وهو العزيز الحكيم، نشهد أنه الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأطهار، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى دار القرار.
أما بعد؛
فقد تحدثنا في الحلقة الماضية في نبذة يسيرة عن التكريم الإلهي للمرأة، وبينا أن ما يقع عليها من ظلم من قبل بعض المسلمين لا يمت إلى شريعتنا الإسلامية الغراء بصلة، وأن مصدر ذلك الجهل والعادات والتقاليد التي يتوارثها بعض الناس، والتي أوحت إليهم أن الرجل خير من المرأة، وأن له عليها الطاعة في كل شيء، ينبغي أن تقابله بالسمع والطاعة في كل أمر دقيق أو كبير، عظيم أو حقير، ديني أو دنيوي، فنشأ غلو في التعامل مع المرأة من هذا الجانب فَظُلِمَتِ الْمَرْأَةُ –أحيانا- ظلما كبيرا من قبل زوجها إما بالسب واللعن والمخاطبة بأقبح الصفات، وإما بالتعنيف والضرب بسبب أو بدونه، أو بحملها على ما يخالف الشرع ويأمر به، أو بالتصرف في مالها دون أخذ إذنها في ذلك، وهذا كله باعتبارها زوجة.
وفي حلقة اليوم نتحدث عن التكريم الإلهي للمرأة باعتبارها أما، فقد أوصى الإسلام بطاعتها وإكرامها والإحسان إليها، وَذَكَّرَنَا في غير ما آية بالجهد المقدم من قِبَلِهَا، والعمل الدؤوب الشاق الآتي منها تجاه أبنائها، حملا ووضعا وإرضاعا وتربية وتعليما وتوجيها، قال الله الكريم: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14].
وقال –عز من قائل-: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِين} [الأحقاف: 15].
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ أَحَقُّ مِنِّي بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قَالَ: “أُمُّكَ” قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: “أُمُّكَ” قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: “أُمُّكَ” ثَلَاثَ مِرَارٍ قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: “ثُمَّ أَبُوكَ”. [رواه الشيخان].
فهذا الحديث يبين واجب الأبناء نحو والديهم، لا سيما الأم، فقد جعل الإسلام طاعتها مقدمة على الجهاد في سبيل الله، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه- قال: سَأَلْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: «الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا»، قلت: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ» قلت: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قلت: حَدَّثَنِي بِهِنَّ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي.
وفي صحيح مسلم: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ –رضي الله عنهما- قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ إِلَى نَبِيِّ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ، أَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنَ اللهِ، قَالَ: «فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟» قَالَ: نَعَمْ، بَلْ كِلَاهُمَا، قَالَ: «فَتَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنَ اللهِ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا». [رواه مسلم].
فهذه النصوص كلها تدل على وجوب الإحسان إلى الوالدين، سيما الأم التي ذُكِرَتْ ثلاث مرار في الحديث النبوي الشريف، فيجب الإحسان إليها ببرها وبذل المعروف إليها بالقول والفعل والمال.
أما الإحسان بالقول فبأن يخاطبها ابنها أو ابنتها باللين واللطف مستصحبا كل لفظ طيب يدل على اللين والتكريم.
وأما الإحسان بالفعل فبأن يخدمها ابنها أو ابنتها ببدنه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وذلك بقضاء حوائجها ومساعدتها على شؤون حياتها، وتيسير أمورها وطاعتها في غير ما يضر في دين ولا دنيا.
وأما الإحسان بالمال فأن يبذل أبناؤها لها من المال ما يساعدها على صلة رحمها، وما تتصدق منه على المحتاجين إليه.
وهذا كله داخل في النصوص المتقدمة، وصريح في حديث المقدام بن معدي كرب –رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “إِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ، إِنَّ اللهَ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ، إِنَّ اللهَ يُوصِيكُمْ بِآبَائِكُمْ، إِنَّ اللهَ يُوصِيكُمْ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ”. [رواه أحمد وصححه الألباني].
وقد ضرب السلف الصالح –رضوان الله عليهم- أروع الأمثلة في بر أمهاتهم، والإحسان إليهن، فهذا أبو هريرة –رضي الله عنه- أنه كان إذا أراد أن يخرج من بيته وقف على باب أمه، فقال: “السلام عليك يا أماه ورحمة الله وبركاته، فتقول: وعليك السلام يا ولدي ورحمة الله وبركاته. فيقول: رحمك الله كما ربيتني صغيراً. فتقول: رحمك الله كما بررتني كبيراً”.
وإذا أراد أن يدخل صنع مثل ذلك. أورده ابن الجوزي في كتاب: “بر الوالدين”.
فاللهم إنا نسألك أن توفقنا إلى تأدية ما أوجبت علينا تجاها والدينا عموما، وأمهاتنا خصوصا، وأن تجزيهم عنا جميعا خير الجزاء، وأن تتجاوز عنا كل تقصير وتفريط تجاههم، إنك ولي ذلك والقادر عليه آمين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة