حديث الجمعة / الحلقة 22 : من مقاصد الصوم تهذيب السلوك (البعد عن سقط القول).

صوت سوس3 يوليو 2015
حديث الجمعة / الحلقة 22 : من مقاصد الصوم تهذيب السلوك (البعد عن سقط القول).

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
حديث الجمعة: الحلقة الثانية والعشرون:
من مقاصد الصوم تهذيب السلوك (البعد عن سقط القول).
الحمد لله الملك المنان، خالق الإنسان ومعلمه البيان، ومتجاوز عما تتحدث به النفس من إفك وبهتان، سبحانه له الحمد في الأولى والآخرة، نشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، خاتم النبيئين وإمام المرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فنعيش اليوم الجمعة الثالثة من جمع شهر رمضان الأبرك، الذي يستفيد منه المسلم تقويما لما اعوج من سلوكه، ويجني منه تربية عظيمة الفوائد، كثيرة العوائد، مصداقا لقول ربنا عز من قائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].
وقد قدمنا في الحلقة الماضية أن معنى التقوى التي يستفيدها المسلم من صيامه تتجلى مظاهرها في استقامة السلوك، وتحسين التعامل مع الناس في المجتمع، فالصيام عاصم لصاحبه من الوقوع في كل سلوك ذميم، ومحفز له على الإقبال على كل خير ذي نفع عميم، مصداقا لقوله –صلى الله عليه وسلم-: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا، فَلَا يَرْفُثْ. وَلَا يَجْهَلْ. فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ» [الموطأ كتاب الصيام، باب جامع الصيام ح: 57]
فبعد الوقوف مع هذا الحديث العظيم وبيان المقصود بالجُنَّةُ فيه، وأنها الوقاية من كل الآفات، وذكرنا من ذلك التربية على غض البصر عن النظر إلى المحرمات، وفوائد كثيرة لا تحصى عددا.
بعد هذا آخذ معي اليوم القارئ الكريم لنستفيد وإياه فائدة تربوية أخرى من فوائد الصيام، وفائدة اليوم البعد عن فحش الكلام، وتطهير اللسان من كل ما يشينه من الألفاظ المحرمة في شريعة الإسلام، قال النبي -عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام-: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا، فَلَا يَرْفُثْ. وَلَا يَجْهَلْ. فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ» [الموطأ كتاب الصيام، باب جامع الصيام ح: 57]
فهنا الصيام يعينك –أخي المسلم أختي المسلمة- على اجتناب الرفث والجهل والسب والشتم، وكلها آفات خطيرة منبعها اللسان، فالرفث يعني الكلام القبيح والشتم والخنا والغيبة والجفاء، وأن تُغضِب صاحبك بما يسوءه، والمراء ونحو ذلك كله. [الاستذكار (3/ 373)].
والجهل يعني ما لا يصلح من القول والفعل، أو هو خلاف الْحِكْمَة وَخلاف الصَّوَاب من القَوْل وَالْفِعْل، فلا ينبغي للصائم ولا يجوز له أن يقول قول أهل الجهل.[معالم السنن (2/ 108) وفتح الباري لابن حجر (1/ 100) شرح السيوطي على مسلم (3/ 233)]
وقوله –صلى الله عليه وسلم-: «فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ» أي: إن شتمه شخص ما متعرضا لشتمه، أو قاتله، أي: نازعه ودافعه، فليقل: إني صائم إني صائم.
قال النووي: “هكذا هو مرتين، واختلفوا فيه، فقيل: يقوله بلسانه؛ ليسمعه الشاتم والمقاتل فينزجر غالبا، وقيل: يحدث به نفسه؛ ليمنعها عن مشاتمته ومقاتلته، ويحرس صومه عن المكروهات” قال النووي ولو جمع بين الأمرين كان حسنا” [شرح السيوطي على مسلم (3/ 233)].
فكثيرا ما يقع في شهر رمضان ما لا ينبغي أن يقع فيه ولا في غيره من الشهور، وفيه آكد؛ لأن السيئة تكبر وتعظم حسب الزمان والمكان، شأنها في ذلك شأن الحسنة، فكم يقع في أسواقنا من اللغط وأحيانا من السب والشتم والمقاتلة، بدعوى أن الإنسان صائم، وأي تصرف قد يصدر من الآخر يجعله لا يتحمل ذلك، ولعمري إن هذا لهراء وافتراء على الدين ما أنزل الله به من سلطان، فقد جعل الله شهر الصيام والقرآن للحلم ونحن بسوء تصرفاتنا حولناه إلى شهر للطيش والسفه والتفوه بما لا يليق من الكلام القبيح.
وتقدم لنا في الحصة الماضية قول النبي –صلى الله عليه وسلم-: “رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ” [مسند الإمام أحمد ح: 8856].
وعليه نظم أبو بكر غالب بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي قوله:
إذا لم يكن في السمع مني تصاون *** وفي بصري غض وفي منطقي صمت
فحظي إذن من صومي الجوع والظمأ *** وإن قلت إني صمت يوماً فما صمت
وأفضل منه قول النبي –صلى الله عليه وسلم-:«مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» [صحيح البخاري كتاب الصوم، باب من لم يدع قول الزور، والعمل به في الصوم ح: 1903].
فما أحوجنا إن نحسن بالصيام أخلاقنا وسلوكنا؛ إذ الصيام مدرسة تربوية فيها نتعلم مبادئ ديننا الإسلامي الحنيف، وفيها نتعلم كيف يعامل بعضنا البعض من الصبر والعفو والحلم وكظم الغيظ، وتلك صفة من صفات المؤمنين الذين يقول عنهم القرآن الكريم: {سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 133، 134].
فإذا ما التزمنا بما تعلمنا وطبقناه في حياتنا وفي تعاملنا مع أهلينا ومجتمعنا فزنا –ورب الكعبة- بخيري الدارين، وحل الأمن والآمان والسكينة والطمأنينة فيما بين أفراد الأمة.
فليعش المسلم سليم الصدر كاظم الغيظ عافيا عن الناس، لا غل ولا حقد ولا رفث ولا فسوق، ولا مراء ولا مجادلة، وإن صدر من الآخر ما يثير حفيظته، فإن الصبر مفتاح الفرج في الدنيا، وجزاء عظيم في الآخرة، لا يعلم قدره إلا الله سبحانه، قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10].
وأختم بدعاء الأسبوع الماضي الذي نحن جميعا في أمس الحاجة إليه فأقول: اللهم إنا نسألك أن تطهر قلوبنا من النفاق، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة، فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف، والغنى، والتوفيق إلى ما تحب من العمل وترضى، ونسألك اللهم أن تتقبل منا صلاتنا وصيامنا وقيامنا، وأن تختم بالباقيات الصالحات أعمالنا، واستجيب في هذا الشهر دعاءنا آمين، وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ونبيك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
وإلى حلقة قادمة إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور/ أحمد بن محمد فاضل

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة