بسم الله الرحمن الرحيم وصلى وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
حديث الجمعة: الحلقة الواحدة والعشرون:
من مقاصد الصوم تهذيب السلوك.
الحمد لله رب العالمين له الحمد في الأولى والآخرة، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، ونشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له ولي الصالحين، وناصر المؤمنين العاملين، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله أفضل الصائمين القائمين، وخاتم النبيئين وإمام المرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فإننا في الجمعة الثانية من جمع شهر رمضان الأبرك، شهر مبارك، ويوم مبارك، ولحظات كلها طيبة مباركة تعيشها الأمة الإسلامية جمعاء في مشارق الأرض ومغاربها، نسأل الله أن يمن عليها بالهداية والتوفيق، وسداد القول والفعل، وجمع الكلمة وتوحيد الصف، وإطفاء نار الفتنة المشتعلة في ديارها، والقضاء على العصبية المقيتة التي ظهرت بذورها في بعض أطرافها، مما يضعف قوتها ويأتي على عزها وشرفها، ويصيرها لقمة سائغة لأعدائها، يستغلون أرضها وخيراتها، فاللهم رد بنا وبالأمة الإسلامية إليك مردا جميلا.
ثم أما بعد؛
فما من شك أن شهرنا هذا شهر نستفيد منه خيرات كثيرة، ونجني من موسمه فوائد عظيمة، تعود علينا بالنفع حالا أو مستقبلا شهورا عديدة، حتى يأتي رمضان من السنة القادمة، فنجدد الجني والاستفادة لما في شهره من المزايا التربوية الرفيعة، مصداقا لقول ربنا جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].
فما معنى التقوى التي يستفيدها المسلم من صيامه؟ وما مظاهرها؟ وما فوائدها على نفسيته وسلوكه وحياته؟.
إن كلمة التقوى اسم عام لكل ما يجعل بين العبد وبين النار وقاية يتقي به عذاب ربه وغضبه، ويجعله في مرضاةٍ وعمل يقرب إلى مولاه ويرضي خالقه، وإذا تأملنا الصيام في شهر الصيام والقرآن نجد هذا حاله وشأنه، فما من سلوك طيب مقبول إلا ويحرص المسلم الصائم عليه في رمضان، وما من سلوك مشين قبيح إلا وتجده في إعراض وصدود عنه، مصداقا لقوله –صلى الله عليه وسلم-: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا، فَلَا يَرْفُثْ. وَلَا يَجْهَلْ. فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ» [الموطأ كتاب الصيام، باب جامع الصيام ح: 57]
ومعنى قوله –صلى الله عليه وسلم-: «الصيام جُنَّةٌ» بضم الجيم وشد النون، أي: وقاية وسترة، قيل من المعاصي؛ لأنه يكسر الشهوة ويضعفها، ولذا قيل: إنه لجام المتقين، وجُنَّةُ المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وقيل: جُنَّةُ من النار، وبه جزم ابن عبد البر؛ لأنه إمساك عن الشهوات والنار محفوفة بها.
ومعنى قوله: «فلا يرفث» أي: لا يفحش ويتكلم بالكلام القبيح، وقوله: «ولا يجهل» أي: لا يفعل فعل الجهال من صياح وسفه وسخرية. [شرح الزرقاني على الموطأ (2/ 291-292]
فينبغي لكل مسلم أن يحافظ على هذه الجُنَّةِ العظيمة من الخرق ويُقوِّم سلوكه عما لا يحل، ويُقيمه على ما شرع الله مما أجازه وأباحه لعباده، وإلا لا معنى لصيامه ما لم يكن كذلك، فالحظ منه الجوع والعطش كما قال -عليه السلام-: “رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ” [مسند الإمام أحمد ح: 8856].
وعلى معنى هذا الحديث قال قائلهم وهو أبو بكر غالب بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي:
إذا لم يكن في السمع مني تصاون *** وفي بصري غض وفي منطقي صمت
فحظي إذن من صومي الجوع والظمأ *** وإن قلت إني صمت يوماً فما صمت
ومما جاء الصيام من أجل تقويمه أمور كثيرة أقتصر منها اليوم على غض البصر، مصداقا لقوله –صلى الله عليه وسلم-: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» [صحيح البخاري كتاب الترغيب في النكاح، باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج، لأنه أغض للبصر وأحصن للفرج» وهل يتزوج من لا أرب له في النكاح ح: 5065. ومسلم كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، ووجد مؤنه، واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم ح: 1400].
ففي هذا الحديث إشارة إلى مقصد كبير من مقاصد الصوم، ألا وهو غض البصر، وإحصان الفرج.
فالصائم ينال هذه الفضيلة، ويسلم من معاطب إطلاق البصر وآفاته؛ فالعين مرآةُ القلب، وإذا أطلق الإنسان بصرَه أطلق القلبُ شهوتَه، ومن أطلق بصرَه دامت حسرتُه؛ فأضرُّ شيٍء على القلب إرسالُ البصر؛ فإنه يريد ما يشتدُّ إليه طلبُه، ولا صبر له عنه، ولا سبيل إلى الوصول إليه، وذلك غايةُ ألمه وعذابه. [دروس رمضان للشيخ محمد إبراهيم الحمد ص: 121].
وفي روضة المحبين ونزهة المشتاقين لابن القيم –رحمه الله-: “فصل: ولما كان النظر من أقرب الوسائل إلى المحرم، اقتضت الشريعة تحريمه وأباحته في موضع الحاجة، وهذا شأن كل ما حُرِّمَ تحريم الوسائل، فإنه يباح للمصلحة الراجحة” [روضة المحبين ونزهة المشتاقين (ص: 95)]
فما أحوجنا جميعا إلى غضِّ البصر في زمان كثرت فيه الفتن، وظهر التبرجُ والسفورُ، والعري والاختلاط، فكان غض البصر أمانا من هذه الفتن، وسبيلا إلى الراحة والسلامة؛ فإذا غض العبدُ بصره غضَّ القلب شهوتَه وإرادته.
قال – تعالى -: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} [(النور: من الآية 30)] .
وقد ذكر العلماء لغض البصر فوائد كثيرة، أولها: تخليص القلب من ألم الحسرة.
الفائدة الثانية: أنه يورثُ القلبَ نورًا وإشراقًا، يَظْهرُ في العين، وفي الوجه، وفي الجوارح.
الفائدة الثالثة: أن غضَّ البصر يورثُ صحةَ الفِرَاسَة؛ فإنها من النور وثمراته، وإذا استنار القلبُ صحَّت الفِراسةُ؛ لأنه يصير بمنزلة المرآةِ المجلوَّةِ تظهر فيها المعلوماتُ كما هي، والنظرُ بمنزلة التنفُّس فيها؛ فإذا أطلق العبد نظره تنفَّست نفسُه الصُّعَداءُ في مرآة قلبه، فطمست نورها.
الفائدة الرابعة: أنه يفتحُ للعبد طرقَ العلمِ ويسهلُ عليه أسبابَه، وذلك بسب نور القلب؛ فإنه إذا استنار ظهرت فيه حقائقُ المعلومات، وانكشفتْ له بسرعة، ونفذَ من بعضها إلى بعض.
ومن أرسلَ بصَره تكدَّر عليه قلبه، وأظلم، وانسدَّ عليه بابُ العلم وطرقُه.
الفائدة الخامسة: أن غضَّ البصر يُخَلِّص القلب من أسر الشهوة؛ فإن الأسير هو أسيرُ شهوته وهواه.
الفائدة السادسة: أن غضَّ البصر يسد عنه بابًا من أبواب جهنم؛ فإن النظرة باب الشهوة الحاملة على مواقعة الإثم. [دروس رمضان للشيخ محمد إبراهيم الحمد ص: 128 – 130].
فاللهم إنا نسألك أن تطهر قلوبنا من النفاق، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة، فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف، والغنى، والتوفيق إلى ما تحب من العمل وترضى، ونسألك اللهم أن تتقبل منا صلاتنا وصيامنا وقيامنا، وأن تختم بالباقيات الصالحات أعمالنا، واستجيب في هذا الشهر دعاءنا آمين، وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ونبيك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
وإلى حلقة قادمة إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل



عذراً التعليقات مغلقة