صوت سوس: ع.اللطيف بركة
احتضت قاعة الندوات بكلية الحقوق باكادير، يوم السبت 28 اكتوبر 2017 ابتداء من التاسعة صباحا، ندوة دولية علمية متفردة، فقد انكب باحثون و خبراء اكاديميون على تقييم علمي لتجربة العدالة و التنمية في مراكز القرار، و قد تم التطرق لهذه التجربة من زوايا مختلفة، تداخلت فيها المقاربة السوسيولوجية بالمقاربة الاقتصادية و الاجتماعية.
كل من تنظيم فريق البحث الذي ترأسه الدكتورة بوشرى اجدايني منسقة الندوة، برئاسة الدكتور مراد بوستة من جامعة القاضي عياض بمراكش و تقرير د محمد ياوحي من جامعة الرباط.
إستهل مداخلات الندوة الدكتور “حواس سنيجر” من جامعة ليون بفرنسا الخبير في الحركات الإسلامية، و الذي أبرز أن حزب العدالة و التنمية و من خلال وزنه الانتخابي و السياسي، قد استطاع كسب نقاط في موازين القوى مع الدولة، بل و أن هذا الحزب الذي استأثر بأكبر عدد من الحقائب الوزارية استفاد كثيرا من الدولة و من إمكانياتها، و دخل في علاقة مصالح متبادلة معها، و لم يتوان في تصريف مواقفه الايديولوجية كلما أتيحت له الفرصة بقرارات و ممارسات و تصريحات لقيادييه، هذه التصريحات، و إن قبلت بالأمر الواقع لمؤسسات ذات ممارسة أقرب اليها من العلمانية إلى التدين، إلا أنها، أي هذه التصريحات، لا تكل من تذكير المغاربة بالمرجعية الاسلامية للحزب و شعاراته المرتكزة على الاخلاق و الانضباط لتعاليم الدين. إذن و حسب الأستاذ دائما، فقد سعى إسلاميوا العدالة و التنمية إلى التكيف مع طبيعة النظام العام الذي تتبعه مؤسسات الدولة، و مع هذا فقد عرفت علاقة الحزب بالدولة احتكاكات في مجموعة من المواقف و القضايا. و اعتبر الباحث في الجماعات الاسلامية، أن حزب العدالة و التنمية رغم تسلمه مفاتيح السلطة، فإنه عجز على خلق تغيرات جذرية في المجتمع المغربي و إنتاج مشروع مجتمعي جديد، حيث كان مفروضا على الحزب الاسلامي المغربي الحاكم ال ما شي مع باقي المكونات السياسية و مع القصر، و هذا ما دفع به الى اعادة النظر في شعاراته و اولوياته و مراجعة مستمرة لاديولوجيته.
و دعا الدكتور حواس البيجيدي إلى توضيح علاقته بحركة الاصلاح و التوحيد الدعوية مع ملاحظة ان الحزب يحاول التوفيق بين براغماتيته السياسية و مبادئه الفكرية. و في الأخير، لمح الى ان حزب العدالة و التنمية من حقه ان يكون حزبا دينيا، و لكن ليس من حقه فرض تدينه على المجتمع.
من جهة أخرى، و من زاوية الخبير الاقتصادي، قام الاستاذ محمد سعيد السعدي بتشريح لتجربة حكومة بنكيران، انطلاقا من التصريح الحكومي الذي صادق عليه البرلمان، و الذي ساهمت في إعداده أحزاب الاغلبية الحكومية السابقة، و التزمت به الحكومة أمام الشعب المغربي. فمن خلال مجموعة من الارقام و الاحصائيات و المؤشرات الاقتصادية و الاجتماعية، خلص الخبير الاقتصادي إلى “فشل” حزب العدالة و التنمية كفاعل أساسي في حكومة بنكيران، و إلى جانبه المكونات السياسية الأخرى، فشلهم في تحقيق اهداف البرنامج الحكومي، و هذا الفشل سيكون أوضح إذا اعتمدنا على برنامج العدالة و التنمية الانتخابي الذي وعد بتحقيق نسبة نمو مهمة و فرص شغل و تحسين الدخل و الخدمات الاجتماعية و الحكامة و التنمية المستدامة، مع محاربة الريع و الرشوة . و اعتبر المحاضر أن الحكومة اشتغلت بمقاربة محاسباتية استهدفت تقليص نسبة العجز و المديونية و تحقيق النمو الرقمي للاقتصاد بدل التنمية الحقيقية التي تدمج العنصر البشري في صلب اهتماماتها، و خصوصا شريحة الشباب، و هذا في نظره ما يفسر فشل النموذج التنموي الحالي و أدى إلى ظهور احتقانات اجتماعية و حركات احتجاجية لم تتفاعل معها الحكومة بمنطق الانصات و الاشراك، بل و امتد الفشل الحكومي حتى إلى الاهداف الاساسية و التي تعتبر استجابة مطلقة لتوصيات صندوق النقد الدولي. فرغم تمكن الحكومة من تخفيض معدل عجز الميزانية إلى حد ما، فإن هذا التخفيض كان على حساب الطبقات الاجتماعية من خلال عدة إجراءات مثل رفع الدعم عن محروقات صندوق المقاصة و ارتفاع نسبة البطالة نظرا لتقليص مناصب الشغل، موازاة مع هشاشة الشغل بسبب تجميد الاجور و ضعف او غياب الحماية الاجتماعية و التحايل على مدونة الشغل، و هنا لاحظ الباحث أن تقليص معدل البطالة لم يدخل في اولويات الحكومة و خصوصا بطالة الشباب التي بلغت 20./.
و خلص السعدي إلى أن الطبقة السياسية أضحت عاجزة عن إعطاء حلول و بدائل مما أدى إلى دفع الشباب لممارسة السياسة عن طريق الاحتجاج في الشارع. و قد أكد الاستاذ على أن الاسلاميين لم يقدموا مشروعا مجتمعيا بديلا، بل استمروا على غرار الحكومات السابقة في تطبيق توصيات صندوق النقد الدولي الغير شعبية، مما زاد من حدة ارتهان الاقتصاد المغربي لقروض هذه المنظمة المالية و تخلي الدولة عن توفير الخدمات الاجتماعية للمواطنين، و هو ما زاد في الاحتقان الاجتماعي، بل و أدى الى تفقير الطبقة المتوسطة التي أضحت عاجزة عن تحريك الطلب الداخلي، و بالتالي نعيش وضعية ركود اقتصادي تؤثر سلبا على الاستثمار و التشغيل.
و قد قدم الخبير الاقتصادي معطيات و ارقام اثبتت بالقاطع أن الحكومة الاسلامية فشلت في تحقيق شعار محوري من شعاراتها، و هو محاربة الرشوة و الريع و تخليق الحياة العامة، حيث اشارت تقارير دولية لترانسبارنسي ان المغرب يحقق مراتب مقلقة في تفشي ظاهرة الرشوة، الشيء الذي يؤدي تفشي إلى الريع الاقتصادي و خنق و تهميش المقاولات الصغرى و المتوسطة. كما أكد الوزير السابق على أن القطاعات الحكومية تشتغل دون تنسيق فيما بينها و لم ترق بعد إلى التدبير المندمج لهذه القطاعات، و هو ما يعتبر هدرا للوقت و الطاقات و المال العام.
من جهة أخرى، دعى السعدي إلى الى المرور من نموذج تنموي يخدم طبقات اجتماعية معينة على حساب اوسع الطبقات الشعبية، إلى نموذج مندمج يجعل من تنمية المواطن مسألة محورية، و يقطع بشكل نهائي مع كل أشكال الريع و يربط المسؤولية بالمحاسبة و يحرر الاقتصاد من تدخل و هيمنة رجال السياسة مع تحقيق العدالة الاجتماعية، و التي تعتبر العدالة الضريبية من أهم ركائزها. هذا النموذج يجب أن تلعب فيه الدولة دورا محوريا في التنمية الاقتصادية و ضمان الخدمات الاجتماعية الاساسية، و تدعم من خلاله طبقة مستثمرة مواطنة و متضامنة مع الاهداف و القضايا الكبرى للوطن.
و في الاخير، خلص الأستاذ محمد سعيد سعدي إلى أن الاسلام السياسي في المغرب، في تجربة العدالة و التنمية في الحكم، أثبت عن فشله في إعطاء إجابات لاشكاليات المجتمع، وفي التفرد بتحقيق التنمية عن طريق شعارات تخليق الحياة العامة.
من منظور آخر، و تفاعلا مع المداخلتين السابقتين، و هذه المرة من منظور آخر، من تخصص العلوم السياسية، نبه الدكتور محمد هاشمي، من جامعة الجديدة، أن العدالة و التنمية لم يكن يمتلك السلطة السياسية الفعلية، و بالتالي لا يجب إختصار مبدأ “المسائلة” في مقاربة “الإعفاء”، و اعتبر أن العدالة و التنمية كان ينفذ ما يطلب منه فقط، و لم يكن لديه هامش من الحرية في خياراته. فمثلا، في قطاع التعليم، مازالت الحكومة تطبق سياسة الراحل مزيان بلفقيه، الرئيس المنتدب للمجلس الاعلى للتعليم، و بالتالي نحن في حاجة إلى مقاربة جديدة تأخذ بعين الاعتبار تطبيق السياسات العمومية في حقب مختلفة من الزمن السياسي وفق سياسات معدة سلفا، و هذا ما يجعل مساءلة حكومة ما عن سياسات سابقة أمرا يجب إعادة النظر فيه. و يضيف الأستاذ في العلوم السياسية أن حزب العدالة و التنمية أدى ثمن المناخ المشحون الذي اثر سلبا على إمكانياته في التدبير الحكومي.
و في الاخير، اعتبر الاستاذ الهاشمي قيام البيجيدي بالمعارضة من داخل حكومة يقودها هي ممارسة غير عادية، تستحق الدراسة و التحليل الأكاديمي.
و من زاوية السوسيولوجيا السياسية، و في مداخلة تعقيبية على المداخلتين المحوريتين، وضح الدكتور حسن زواوي، أستاذ العلوم السياسية بكلية الحقوق بأكادير، وضح أن حزب العدالة و التنمية لم يتوان عن تقديم الضمانات حول ولائه للملك، و أن هذا الحزب استعمل “البراغماتية السياسية” و التي من خلالها حرص على مصالحه الإنتخابية، مع التوفيق بين المرجعية المذهبية الدينية، و قواعد العمل من داخل الحقل السياسي، و هذا ما جعل البيجيدي، ذي المرجعية الاسلامية، لا يتوانا في الإنخراط في برنامج حكومي ذي نفحة علمانية.
و من جهة أخرى، تسائل الباحث عن الأسباب التي جعلت الحزب يتصدر نتائج الإنتخابات رغم سياسته اللاشعبية، و حاول تقديم إجابة عن الاشكالية المطروحة، بكون الحزب الاسلامي استعمل سلاح “خطاب المظلومية” مع السقوط في مفارقة غريبة: فالحزب يعلن ولائه للملك، و في نفس الوقت يعلن معاكسته ل”الدولة العميقة”، و التي يجسدها في محيط الملك،
و في نفس الاتجاه، لا يتوانى الحزب في استخدام مصطلحات تعبر عن عدم تسلمه لسلطة سياسية حقيقية من قبيل مصطلح “التحكم” الذي استخدمه بنكيران غير ما مرة في وجه ما يسميه ” الدولة العميقة”، هذه المواجهة مع “الدولة العميقة” و تبني خطاب المظلومية تارة و خطاب التخليق و الأخلاق، هما ما مكنا حسب زواوي الحزب من تحقيق مكسب انتخابي، منبها إلى أن هذه الخرجات أصبحت تقلق “النظام”.
و عاد الباحث ليلاحظ أن البيجيدي استخدم منطق “الحربائية” في مواقفه، و تكيف و تلون مع وقائع و ظروف مختلفة، و مارس نوعا من التقية من خلال عدم الاعلان عن أولوياته، و أنه مارس “خطاب الإستمالة” عن طريق المعارضة، رغم أنه هو الحزب الحاكم، هذا الخطاب في طابع شعبوي يستهدف دغدغة مشاعر الناخبين، مكن الحزب الحاكم من العودة بقوة عن طريق صناديق الاقتراع رغم إجراءاته اللاشعبية يختم الدكتور زواوي.




عذراً التعليقات مغلقة