http://sawtsouss.com/wp-content/uploads/2018/01/gold-star2.gif

حديث الجمعة الحلقة : (176) تربية الأبناء .

2018 07 06
2018 07 06
Array

حديث الجمعة

الحلقة: (176)

{تربية الأبناء}

الحمد لله رب العالمين، القائل في محكم الكتاب المبين: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [الشورى: 49، 50]. نحمده سبحانه على ما وهب، وعلى ما أعطى ورزق، ونثني عليه الخير كله، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد سيد البشر من عرب وعجم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أولي الفضل والكرم، وأتباعه وتابعيهم وسلم.

أما بعد:

فيقول ربنا -عز من قائل سبحانه-: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} [الكهف: 46]. ويقول –سبحانه-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التغابن: 14].

أيها القراء الأفاضل: تناولنا في الركن الماضي الحديث عن أهمية الوقت وقيمته في الإسلام، وأن العبد سيسأل يوم القيامة أسئلة من بينها أنه يسأل عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه؛ لذلك دعونا أنفسنا إلى تدبير الوقت والحرص عليه أشد من حرصنا على الدرهم والدينار، وفي الوقت نفسه نحرص على أوقات أبنائنا وبناتنا، تدبيرا وتوجيها، إما في طلب حفظ للقرآن الكريم، أو تعلم علم شرعي، أو صنعة أو حرفة أو تجارة، أو صلة رحم أو قرابة.

ولعل الواحد منا يتساءل: لم كل هذا الاهتمام بالأبناء والحرصُ على أوقاتهم؟.

فالجواب: أولادنا ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، وفلذات أكبادنا، وأحشاء أفئدتنا، وزينة حياتنا، وهم هبة الله لنا، قال –تعالى-: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [الشورى: 49، 50].

فمن أعظم المنح الإلهية والعطايا الربانية، على الإنسان بعد نعمة الإسلام، نعمة الأولاد، سيما إن كانوا صالحين؛ إذ بهم ينتفع العبد في حياته وبعد مماته، قال –صلى الله عليه وسلم-: “إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ” [أخرجه مسلم].

فلنعمل جميعا على تربيتهم وتنشئتهم وتوجيههم، ولنحذر التفريط في تربيتهم، أو التخلي عن المسؤولية تجاههم، فذاك من الغدر والخيانة المحذر منه في قول الله –تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 27، 28]. فارعوا –حفظكم الله- أبناءكم، وأدوا أماناتكم، وانصحوا لأولادكم، فالكل مسؤول عن رعيته.

أيها الإخوة القراء: أبناؤنا عماد الأمة وعزها المجيد، ومجدها التليد، وحصنها الحصين، ودرعها المتين، هم سبب الفتوحات، وأساس الانتصارات، ومن قرأ التاريخ الإسلامي وتصفح كتب السير والمغازي، رأى العجب العجاب، من صنيع أبنائنا وبناتنا الشباب، كانوا حماة لأوطانهم، مدافعين عن أعراضهم، متبعين لسنة نبيهم، متمسكين بدينهم، وذلك لعمري هو الشباب المسلم الذي تلقى التربية الإسلامية من قبل والديه، ولم يتركوا له الحبل على الغارب، بل جدوا واجتهدوا في التربية والتعليم.

لكن لما تركنا أبناءنا وتخلينا عن تربيتهم صاروا عرضة للضياع، ولقمة سائغة للذئاب البشرية التي تنفث فيهم سمومها، عن طريق المخدرات والمسكرات القاتلة، والتمرد على الطاعة والعفة والأخلاق الفاضلة. انظروا إلى الشباب والشابات، عبر الشوارع والطرقات، تأملوا تلكم الموضات، وأنواع الحلاقات، أشكال غريبة، وهيئات مريبة، شباب تائه حائر، تصدر منه تصرفات طائشة، وإزهاق للأرواح البريئة، وإذا حل الليل واحلولك الظلام أتوا البيوت من ظهورها، والسيارات من زجاجها، والمحلات بعد تكسيرها، يا سبحان الله، كأننا لا أمن ولا أمان، تصرفات غوغاء، وأعمال هوجاء، ونتائج شنعاء، فأين المسؤولية وأين الأمانة؟. قال رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْؤولَةٌ عَنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ” [متفق عليه].

أيها القراء الأفاضل: لقد تفاقم الوضع وتعاظم الأمر وتطاير الشرر، عندما تخلى الآباء عن مسؤولية التربية الصحيحة، وأهملوا الإلمام بأسس العناية السليمة، فليست التربية عنفا كلها، ولا رخوا جلها، بل شدة في غير عنف، ولين في غير ضعف، هكذا التربية، أما أن يعتقد أب أو أم أن التربية تكبيل بالسلاسل، وضرب بالحديد والمناشير، وسجن في غرفة مظلمة، فليس ذلك بمطلوب ولا مرغوب، ولم تأت به شريعة الإسلام، بل الإسلام دين الرحمة والرأفة، لاسيما الرحمة ببني الإنسان. قال ابن القيم -رحمه الله-: “فَمن أهمل تَعْلِيم وَلَده مَا يَنْفَعهُ وَتَركه سدى فقد أَسَاءَ إِلَيْهِ غَايَة الْإِسَاءَة، وَأكْثر الْأَوْلَاد إِنَّمَا جَاءَ فسادهم من قبل الْآبَاء وإهمالهم لَهُم وَترك تعليمهم فَرَائضَ الدّين وسننه، فأضاعوهم صغَارًا، فَلم ينتفعوا بِأَنْفسِهِم وَلم ينفعوا آبَاءَهُم كبارًا، كَمَا عَاتب بَعضهم وَلَده على العقوق فَقَالَ يَا أَبَت إِنَّك عققتني صَغِيرا، فعققتك كَبِيرا، وأضعتني وليدا، فأضعتك شَيخا” [تحفة المودود بأحكام المولود (ص: 229)].

فاللهم اهدنا واهد أبناءنا وبناتنا، ووفقنا وإياهم لما تحب وترضىى، وأد عنا حقوق آبائنا وأمهاتنا، واجزهم عنا خير الجزاء، وارحم اللهم الأموات منهم، وبارك في عمر الأحياء، إنك سميع مجيب الدعاء، آمين. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.

المصدر - Array
صوت سوس