http://sawtsouss.com/wp-content/uploads/2018/01/gold-star2.gif

حديث الجمعة الحلقة : (175) أولادنا والعطلة الصيفية .

2018 06 29
2018 06 29
Array

حديث الجمعة

الحلقة: (175)

{أولادنا والعطلة الصيفية}

الحمد لله رب العالمين، وهب عباده الحياة ليغتنموها فيما يعود عليهم بالنفع دنيا ودين، نحمده –سبحانه- وهو أولى أن يحمد ويشكر، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد أفضل البشر، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أفضل معشر، وأتباعه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم المحشر.

أما بعد:

فيقول ربنا -عز من قائل سبحانه-: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} [فاطر: 37].

قال الإمام المفسر ابن كثير –رحمه الله- في معنى هذه الآية الكريمة: “أي: أوما عشتم في الدنيا أعمارا لو كنتم ممن ينتفع بالحق لانتفعتم به في مدة عمركم؟” [تفسير ابن كثير (6/ 553)].

إخواني القراء الأعزاء: حياتنا عزيزة، وأعمارنا غالية ثمينة، فالحَذرَ الحذرَ مِن تَضييعِها سُدًى، أو تَفوِيتِها في غير هُدًى. فقد ثبت عن سيدنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “لاَ تزول قدَمَا عَبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسأَل عن أربَع: عن عمرِه فيم أَفناه؟ وعن جِسمِه فيم أَبلاه؟ وعن مالِه مِن أين اكتسبه؟ وفيمَ أنفَقه؟ وعن عِلمه ماذا عمِل به؟” [رواه الترمذي بإسناد حسن صحيح].

ولقد فهم سلفنا الصالح –رضوان الله عليهم- معنى هذا، وأدركوا قيمة العمر، فاغتنموا أوقاتهم قولا وعملا فما يفيد وينفع، فقد ورد عن سيدنا عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه- قوله: “مَا نَدِمتُ على شيءٍ نَدَمي على يومٍ غَربَت شمسُه نَقَص فيه أجلي ولم يزدَد فيه عملي”.

وورد عن الحسن البصري -رحمه الله-: قوله: “لقد أَدركتُ أقوامًا كانوا أشدَّ حِرصًا على أَوقاتهم من حِرصِكم على دَراهمكم ودنانيركم”.

هذا في جانب القول، أما في جانب العمل فما رُؤُوا –رحمهم الله- إلا وهم في شغل مباح لدنيا، أو طاعة لآخرة.

أيها القراء الأكارم: بناء على أهمية العمر وقيمته في ديننا الإسلامي الحنيف، فمن الواجب أن نذكر أنفسنا بواجبنا نحو أبنائنا في عطلتهم الصيفية، حتى يغتنموها بما يعود علينا وعليهم بالنفع دنيا وأخرى، فمِن الخذلانِ أن تمضي هذه العطلة وتضيع سدى، وتهدر بأيامها ولياليها في أمور تافهة، وأفعال ساقطة، لا تجدي نفعا، بل تترك ضررا وأثرا سيئا على أخلاقهم وسلوكياتهم وتصرفاتهم.

فلنهتم بأبنائنا ونشركهم معنا في رسم جدول زمني يغطي هذه العطلة، يتم تقسيمه على طلب قرآن أو حديث، أو علم فقه، أو تعلم تجارة أو صنعة، أو صلة رحم، أو سياحة في الأرض نافعة، فكل ذلك مفيد عظيم؛ إذ هو منهج نبوي أصيل رسمه لنا حبيبنا المصطفى –صلى الله عليه وسلم- حينما قال لابن عمِّه الغُلامِ ابن عباس -رضي الله عنهما-: “يَا غُلام، إني أعلِّمك كلمات: احفَظِ الله يحفَظْك، احفَظِ الله تجدْه تجاهَك…” [رواه الترمذي بإسناد حسن صحيح].

ومن أقوال سلفنا في هذا الباب وعملهم: ما ورد عن إبراهيم بن أدهَم -رحمه الله- قال: “قال لي أبي: يا بني، اطلب الحديث، فكلما سمعتَ حديثا وحفظتَه فلك دِرهم، قال: فطلبتُ الحديث على هذا”.

أيها القراء الأفاضل: لا بأسَ في ديننا الإسلامي الحنيف من راحةٍ للبدن، واستجمامٍ للنفوس في أمورٍ مباحة وسياحة بريئَة، تدفَع الكلَلَ والملل وتزيل الهم، وينفَرِج معها الغم، فقد قال –تعالى-: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46].

وقال –سبحانه-: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} [الغاشية: 17 – 20].

ولكن هذا يتم حسب منهجٍ عدل، ومسلك وسَط حق، وفق قَاعدة: “لا إفراط ولا تفريط” يتم بما يحفَظ الطاقاتِ ويضبط المسالك، ويقي المهالك، من دون أن يكونَ جالبًا لعجزِ أو كسل، وإنما هو ترويحِ للقلوب الواعية، والألسنة الذاكرة، والجوارح العاملة، بما يحميها مِن علل البطالة، والفراغ القاتل الذي نغبن فيه جميعا، قال –صلى الله عليه وسلم-: “نِعمَتانِ مَغبونٌ فيهما كَثيرٌ من النَّاس: الصّحّةُ والفَراغ” [رواه البخاري].

أيها القراء الأماجد: لندبر قول الله –جل وعلا- في محكم التنزيل: {بسم الله الرحمن الرحيم وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [سورة العصر]. هذه الصورة العظيمة التي قال فيها الإمام الشافعي –رحمه الله-: “لو تدبر الناس هذه السورة، لوسعتهم”. [تفسير ابن كثير (8/ 479)]. لِنَتَدَبَّرْ قيمة الوقت من خلالها، فلأهمية الوقت أقسم الله –عز وجل- به، فبين لعباده أن الناس كلهم في خسارة، إلا من اغتنم وقته بإيمان وعمل صالح، وتواصى بين الناس بالحق وبالصبر.

فاللهم اجعلنا ممن آمن وعمل صالحا، وتواصى بالحق والصبر، واغتنم عمره ووجه أبناءه فيما يغني ويفيد، إنه سبحانه سميع مجيب وعلى كل شيء شهيد، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.

المصدر - Array
صوت سوس