http://sawtsouss.com/wp-content/uploads/2018/01/gold-star2.gif

حديث الجمعة الحلقة : (171) غزوة بدر الكبرى: دلالات وعبر.

2018 06 01
2018 06 01
Array

‎حديث الجمعة

الحلقة: (171)

{غزوة بدر الكبرى: دلالات وعبر}

الحمد لله رب العالمين، قيوم السماوات والأراضين، يفصل بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون، سبحانه لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، نشهد أنه الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، أفضل الخلق أجمعين، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق الجهاد حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فيقول ربنا –عز وجل- في محكم التنزيل: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: 123].

أيها القراء الكرام الأوفياء: شهر رمضان شهر الفتوحات والانتصارات، وأعظم ذلك انتصار العبد على نفسه وشهوته، وقد تحقق هذا للرعيل الأول من هذه الأمة، فانتصروا على أنفسهم بإرجاعها إلى الله عز وجل، وإبعادها عن الشركيات والمحرمات، وانتصروا على عدوهم بالدفاع عن دينهم وعقيدتهم ووحدتهم، فمنهم من نال الشهادة في سبيل الله، ومنهم من جاهد وقاتل وعاش حياة طيبة مع النبي –صلى الله عليه وسلم- حتى توفاه الله وفاة طيبة على الدين وشريعة الإسلام. وفي هذا الصدد نجد جهاد الصحابة بقيادة النبي –صلى الله عليه وسلم- في غزوة بدر الكبرى، التي كانت في السابع عشر من رشهر مضان من السنة الثانية من الهجرة النبوية، التقت فيها فئتان: فئة مؤمنة بالله ورسوله، وفئة كافرة خرجت من ديارها بطرا ورئاء الناس، فئة تناصر الإسلام وتعادي أعداءه، وفئة تناصر الشرك والكفر وتعادي الإسلام وأهله. قال –تعالى-: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء: 76].

لقد أراد النبي –صلى الله عليه وسلم- أن يأخذ قافلة لقريش قوامها ألف بعير محملة بالغالي والنفيس، وليس معها إلا أربعون مشركا، فقال -عليه الصلاة والسلام- لأصحابه: “هذه عير قريش، فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها”.

وكان ذلك ردًّا من النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته على استفزازات قريشٍ واعتدائاتها المتكررة على عِير المسلمين، منها ما وقع في شهر ربيعٍ الأول من السَّنة الثَّانية للهجرة، حيث أغار كرز بن جابر الفهريّ على مراعي أهل المدينة، واقتاد معه عدداً من ماشيتهم؛ فخرج النّبي -صلى الله عليه وسلم- في أثره لاستعادة ما أُخذ من أهل المدينة؛ لكن استطاع كرزٌ الفرار. ومنها أن المشركين استولوا على أموال المسلمين المهاجرين من مكة إلى المدينة.

فخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- لرد الاعتبار وأخذ الحق في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا مسلحين بالسيوف والأسلحة الفردية فقط، ومعهم فرسان وسبعون جملا؛ معترضا قافلة تجارية لقريش عائدة من الشام، إلا أن أبا سفيان أحس بالخطر، فبعث يستنجد بقريش، وحاد بالقافلة تجاه الساحل، فخرجت قريش بفخرها وعزها وجبروتها، وقد أعلنوا التعبئة العامة بما يزيد عن ألف من صناديدهم.

ولقد كره بعض المؤمنين مواصلة الخروج بعد أن فاتتهم القافلة، لا كرها في الموت، ولكن لعدم تفطنهم للحكمة في ملاقاة العدو بغتة وبلا استعداد، قال –تعالى-: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ} [الأنفال: 5، 6]، ولكنهم ما لبثوا أن ساروا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد زال عنهم ترددهم.

وعسكر فريق المؤمنين ليلة الجمعة ببدر، ومشاعر الرهبة تعتري الجميع، إلا رسولَ الله الواثقَ بنصر الله تعالى، ومع ذلك فإنهم ناموا وما نام، قال –تعالى-: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} [الأنفال: 11]، فاطمأنت نفوس المؤمنين بهذا النعاس، وغمرت الثقةُ قلوبَهم.

وأما رسول الله فقد ذهب إلى عريشه، حيث كان يحتفظ فيه بأعظم الأسلحة، أسلحةِ التضرع والابتهال إلى الله، فكان يقول: “اللهم أنجز لي وعدك الذي وعدتني” وأبو بكر معه يخفف عليه ويقول له: “يا نبي الله، كفاك مناشدتك لربك، فإنه سينجز لك ما وعدك”.

فاستجاب الله دعاءه ونصره بألف من الملائكة مردفين، قال –تعالى-: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 9، 10]، مردفين: أي: يردف بعضهم بعضا، مأخوذ من الإرداف: وهو الركوب وراءه، وعدهم أولا بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ، ثم صارت ثلاثة، ثم خمسة، كما ذكر القرآن في آل عمران [124، 125].

فالتقى الجمعان: جمع المؤمنين القليلُ المنحصرُ في ثلاثمائة مقاتل، وجمع المشركين الذي يصل إلى الألف، لكن من الحكم الربانية لتشجيع المسلمين على القتال، لم يكن يرى المسلمون هذا الجيش الكبير المنحصرَ في قرابة الألف، بل كانوا يرونه قلة قليلة، قال –تعالى-: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [الأنفال: 44].

ولما التقى الجمعان كثر الله أعداد المؤمنين في أعين الكافرين، فلما اصطف الفريقان للقتال قال نبينا –صلى الله عليه وسلم-: {قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض}، فقال عمير بن الحمام الأنصاري: “يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: “نعم”، قال: بخ بخ … فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل.

فبدأت المعركة وانتهت بانتصار المسلمين وانهزام المشركين، حيث قتل فيها سبعون من المشركين، منهم محركهم العدو اللدود للإسلام والمسلمين، عمرو بن هشام الملقب بأبي جهل، وأسر منهم أيضا سبعون، أما المسلمون فلم يُقتل منهم سوى أربعة عشر رجلًا، ستة منهم من المهاجرين وثمانية من الأنصار.

أيها القراء الكرام: ورد عن أبى حنيفة –رحمه الله- قوله: “معرفة السِيّر تغنى عن كثير من الفقه”؛ لأن السِيّر تحتوي على الفقه والتطبيق العملي الواقعي له، وفيها العِبَر المـُسْتَلّةُ من أحداث التاريخ، والمتأمل للدلالات والعبر المستنبطة من غزوة بدر يجدها كثيرة.

منها: أن الدعاء أحد الأسلحة الفتاكة في مواجهة كل الصعوبات، ولا يخفى أن الدعاء مطية إلى الله يظهر فيها العبد افتقاره إلى الله، وتبرُّءه من الحول والقوة، فيستشعر العبودية والذِّلةِ والمسكنة، وفيه معنى الثناء على الله تعالى، وإضافةُ الجود والكرم إليه؛ ولذلك قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “الدعاء هو العبادة”.

ومنها: التأكيد على مبدأ الشورى، حيث نجد النبي –صلى الله عليه وسلم- استشار صحابته في القتال وموقع المعركة، وغير ذلك من الأمور الواقعة في هذه الغزوة مما تذكره كتب السير.

ومنها: أن الإيمان والعمل الصالح من أعظم أسباب النصر؛ ولذلك وعد الله المؤمنين الصالحين بالنصر في غير آية من كتاب الله، قال -تعالى:- {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [غافر: 51].

ومنها: أن الاختلاف والتنازع من أسباب الفشل والهزيمة أمام العدو، وهذا ما حدث في غزوة بدر، فإن المشركين قبل بدء القتال حصل بين قادتهم خلاف كان سبباً لضعف عزائمهم وهممهم، أدى بهم إلى الهزيمة، قال –تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 45 – 46].

ومنها: أن الشيطان يحسن للإنسان المعاصي ويزينها له، فإذا وقع فيما يريد تخلى عنه، وهذا ما حدث في غزوة بدر، فإن الشيطان زين لكفرة قريش الخروج لحرب النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم تولى عنهم، قال –تعالى-: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتْ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 48].

هذه فقط بعض العبر، وغيرها كثير لا يتسع المقام لذكرها كلها، نسأل الله –تعالى- أن يوفقنا للعمل بما سمعنا منها، وأن يمن على الأمة الإسلامية بإعادة عزها ومجدها، إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه، آمين.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.

المصدر - Array
صوت سوس