http://sawtsouss.com/wp-content/uploads/2018/01/gold-star2.gif

حديث الجمعة الحلقة : (170) الدعاء وأهميته في شهر رمضان.

2018 05 24
2018 05 24
Array

حديث الجمعة

الحلقة: (170)

{الدعاء وأهميته في شهر رمضان}

الحمد لله الذي أكرمنا بشهر خصه بنزول القرآن، وجعله شهرا للمغفرة والرضى والرضوان، وعتقا لرقبة العبيد من النيران، نحمده –سبحانه- ذا الفضل والإحسان، ونشكره على نعمه التي تترى على العباد في كل وقت وآن، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد خير ولد عدنان، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته خير الصحب وأفضل بني الإنسان، وعلى التابعين وتابعيهم إلى يوم الوقوف بين يدي الملك الديان.

أما بعد:

فيقول ربنا –عز وجل- في محكم التنزيل بعد آيات الصيام: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186].

أيها الإخوة القراء الأفاضل: مما لا يختلف فيه اثنان، أننا في أيام وليال طيبة مباركة، جعلها الله –تعالى- مزرعة لكل خير، وجب على كل مسلم ومسلمة أن يغتنمها بما يعود عليه بالفضل في الدنيا، والثواب والأجر في الآخرة.

وقد قدمنا في الجمعة الماضية بعضا من تلك الأعمال التي ينبغي للمسلم والمسلمة أن يغتنم بها أيام وليالي هذا الشهر المبارك، فتحدثنا عن قراءة القرآن وثوابها، والصدقة وفضلها، والقيام وإفطار الصائم، وما في ذلك من أجر جسيم، وثواب عظيم.

واليوم –بعون وتوفيق من الله عز وجل- نتحدث عن عمل آخر جليل ربطه القرآن الكريم بالصيام؛ لما له من فوائد ومنافع، وهو سلاح ذو حدين ينفع ويضر بإذن الله تعالى، إنه الدعاء، وما أدراك ما الدعاء، {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186]. فالمؤمن ما يزال بخير وفي عافية ما تعلق قلبه بربه ومولاه، يدعوه ويسأله حاجاته، فإذا ما تولى عنه فأعرض ودعا غيره، أعرض الله عنه وأوكله إلى المخلوق الضعيف مثلِه، فخسر في دنياه وآخرته.

ومن هنا أيها الإخوة القراء: وجب على كل عبد أن يتوجه إلى ربه في كل صغيرة وكبيرة، فهو مفتقر إلى ربه وضعيف بين يديه، ينبغي أن يسأله كل شيء، قال –تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15]. وقال –تعالى-: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} [الفرقان: 77].

وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه عن النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله–صلى الله عليه وسلم-: “الدعاء هو العبادة” ثم قرأ: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين}. فالدعاء سلاح عظيم ينبغي للمسلم أن يتدرب عليه في شهر رمضان؛ لأنه يكون في ذل وانكسار؛ لما يحس به من التقرب إلى الرب الملك الغفار، حتى يصبح ألفه وأنيسه بعد رمضان.

فبالدعاء تقضى المآرب والحاجات، وبالدعاء تغفر الذنوب والزلات، وبالدعاء تتحقق الرغبات، قال –تعالى- حكاية عن نبيه موسى الكليم -عليه السلام-: {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [القصص: 16].

وقال عن نبيه نوح -عليه السلام-: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنبياء: 76، 77]

ونجى الله بالدعاء هودا وصالحا عليهما السلام، قال –تعالى- {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظ} [هود: 58].

وقال –سبحانه-: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} [هود: 66].

وأعز بالدعاء نبينا سيدنا محمدًا –صلى الله عليه وسلم- في مواطن كثيرة، منها يوم بدر الذي قال الله فيه: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: 123].

لكن لهذا الدعاء آداب عظيمة حريٌّ بمن جمعها أن يستجيب الله له، فمنها: أن يترصد لدعائه الأوقات الشريفة كرمضان، خصوصا عند الإفطار، قال -عليه السلام-: “إن لكل مسلم في كل يوم وليلة (أي: من رمضان) دعوةً مستجابة. [صحيح الترغيب والترهيب].

وفي رمضان أيضا يوم الجمعة، الذي قال فيه سيدنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “إن في الجمعة لساعة لا يوافقها مسلم يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه، قال: وهي ساعة خفيفة” [رواه البخاري ومسلم].

ومنها وقت ما بين الآذان والإقامة في رمضان وغيره، روى الترمذي وأبو داود وأحمد في مسنده أن أنسًا -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “الدعاء لا يرد بين الآذان والإقامة”.

ومنها: الثلث الأخير من الليل عند السحور، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “يتنزل ربنا -تبارك وتعالى- كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيبَ له، من يسألني فأعطيَه، من يستغفرني فأغفرَ له”. [رواه البخاري ومسلم].

ومنها: حال السجود فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء”.

وأخيرا -أيها القراء الطيبون-: مما هو مطلوب من الداعي: الإخلاص في الدعاء والتضرع والخشوع والرغبة والرهبة، وأن يجزم الدعاء ويوقن بالإجابة، وَيَعْظُمَ رجاؤه في خالقه، فقد أخرج الترمذي والحاكم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاه”.

وروى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة، ولا يقولن اللهم: إن شئت فأعطني فإنه لا مستكره له”.

فاللهم وفقنا للقيام لتحقيق هذه الصلة بالخالق سبحانه، صلة الدعاء والتزلف بباب الرب الكريم المنان، وارزقنا الإخلاص والتوفيق والسداد، واجعلنا من عتقاء شهر رمضان، وممن صامه وقامه إيمانا واحتسابا.

آمين والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.

المصدر - Array
صوت سوس