حديث الجمعة الحلقة : (168) أتاكم المطهر رمضان .

2018 05 11
2018 05 11
Array

حديث الجمعة

الحلقة: (168)

{أتاكم المطهر رمضان}

الحمد لله الذي أكرمنا بشهر عظيم خصه بنزول القرآن، وجعله شهرا للمغفرة والرضى والرضوان، وعتقا لرقبة العبيد من النيران، نحمده –سبحانه- ذا الفضل والإحسان، ونشكره على نعمه التي تترى على العباد في كل وقت وآن، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد خير ولد عدنان، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته خير الصحب وأفضل الإنسان، وعلى التابعين وتابعيهم إلى يوم الوقوف بين يدي الملك الديان.

أما بعد؛

فيقول ربنا الكريم -عز من قائل سبحانه-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].

أيها الإخوة القراء الكرام: نحن على باب شهر من أعظم شهور السنة، شهر لو يعلم العباد ما فيه من الأجر والثواب لتمنوا أن تكون السنة كلها مثله، إنه شهر رمضان وما أدراك ما شهر رمضان؛ فهو شهر عظيم مبارك مطهر من درن الذنوب، شهر جاءت نصوص شرعية كثيرة ناطقةً بفضله ومكانته، من ذلك أن النبي –صلى الله عليه وسلم- كان يبشر أصحابه بقدومه فيقول: “أتاكُمْ شَهْرُ رَمَضانَ شَهْرٌ مُبارَكٌ، فَرَضَ الله عَلَيْكُمْ صِيامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أبْوابُ الجَنَّةِ، وتُغْلَقُ فِيهِ أبوابُ الجَحِيمِ، وتُغَلُّ فِيه مَرَدَةُ الشَّياطينِ، وَفيهِ لَيْلَةٌ هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر،ٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَها فَقَدْ حُرِم”. [رواه أحمد والنسائي والبيهقي].

وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “إن لله تبارك وتعالى عتقاءَ في كل يوم وليلة -يعني من رمضان- وإن لكل مسلم في كل يوم وليلة دعوةً مستجابة، [الحديث في صحيح الترغيب والترهيب]. فالشقي من حُرم فيه رحمة الله، وكيف لا يكون شقيا وخاسرا، وهو لم تدركه رحمة الله في شهر التوبة والغفران، فانتبهوا –رحمكم الله- لفضل هذا الضيف القادم، واشغلوا فيه أوقاتكم بالتقرب إلى الله بما شرع لكم فيه من طاعات، وبدعوات صالحات.

ولنحمد الله -عز وجل- جميعا على أن أسبغ علينا نعمة الصحة والمعافاة، ومتعنا بالحياة حتى أصبحنا على باب شهر رمضان، ولنسأله -جل وعلا- أن يبلغنا إياه لا فاقدين ولا مفقودين، ويوفقنا فيه لصالح العمل وخيره، فهناك من الناس من كان يمني النفس ببلوغ رمضان، لكن قد مضى به القدر، وانقطع عنه الأثر، فهو اليوم تحت التراب. وهناك من منعه المرض من الصيام والقيام، وإن كان ما زال يتمتع بالحياة، لنتذكر هؤلاء الناس الذين ودوا أن يصوموا فما استطاعوا، وودوا أن يقوموا فما تمكنوا.

فاذكر أيها المسلم ما تتمتع به من العافية، وانظر إلى جسدك وهو تغمره الصحة الغالية، فإذا تذكرت ذلك فاسأل الله دوام العافية، واسأله أن يعينك على دوام الطاعة والإنابة إليه.

ثم تذكر أن صيامك إنما هو لله، فإن جعت جعت لله، وإن عطشت عطشت لله، فلا تؤثر فيه نزغات الشيطان، من الإنس والجان، وتذكر قول النبي –صلى الله عليه وسلم- “فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم” [أخرجه الشيخان].

فكن على حذر من هذا حتى لا يضيع صيامك. ولينظر كل واحد منا ماذا أعد لشهر رمضان؟، وكيف سيستعد له؟ ولنحذر من تضييع أوقاته في السهر فيما لا يفيد، ولنحذر الإسراف والتبذير في المأكولات، والتلهفَ على الملذات. فهذا الشهر شرع صيامه لتهذيب النفوس والإرتقاء بها إلى أعلى الدرجات، لا للتفنن وتنوع وكثرة المأكولات؛ ولذا شرعت فيه أعمال كثيرة صالحات، إلى جانب الصيام يقوم بها المسلم للتقرب إلى خالقه رب الأرض والسماوات، من أهمها الصيام الذي هو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية التقرب إلى الله عز وجل، ويحقق للعبد فوائد تربوية وعقائدية وصحية ونفسية.

فمن فوائده التربوية: أنه يعلّم المسلم السيطرة على شهواته، فيتحكّم بها ويكبحها، وبهذا يكون قادراً على التحكّم في رغباته دون الإضرار بحاجاته الجسدية؛ لذلك جاء في القرآن الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].

ومن فوائده التربوية أنه يُنمّي في النفس حب عمل الخير، ويدرّبها على الإكثار منه وملازمته كلّما أُتيحت الفرصة، فالأعمل الصالحة في هذا الشهر ثوابها يتضاعف، ثواب النافلة بثواب الفريضة، وثواب الفريضة بسبعين فريضة، الأمر الذي يُشجّع المسلم على الإكثار منها طمعاً في الأجر والثواب.

ومن فوائده التربوية أنه يكسر الكِبَر في القلب، فيرى المسلم الأعداد العظيمة من المسلمين المقبلين على العبادات، فيقوم بدوره بذلك ليلحق بمن سبقوه دون النظر إلى مكانتهم الاجتماعية.

ومن فوائده التربوية أنه يُشجّع على السرّية في أعمال الخير، فالصِّيام مبنيّ على العلاقة بين العبد وربّه، قَالَ اللَّهُ –تعالى- في الحديث القدسي: “كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ” [رواه الشيخان]. ومن فوائد الصيام العقدية أنه يهدف إلى تجديد النيّة، وتنقيتها ممّا عَلِق بها، واحتساب هذه النية عند الله تعالى، لقول الرسول الكريم –صلى الله عليه وسلم-: :”مَن صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا ، غُفِرَ لَهُ ما تقدَّمَ من ذنبِهِ” [رواه الشيخان]. ومن فوائده العقدية أيضا تجديد العلاقة بين المسلم وربّه من خلال قراءة القرآن الكريم، والابتعاد عن المُحرّمات، وتطبيق السّنة النبويّة، والإقبال على صلاة التراويح وقيام الليل فتجتمع أركان الإيمان في الصِّيام: قول القلب الذي يكون بالتصديق والإيمان بالصِّيام، وعمل القلب الذي يكون بالاحتساب، وفعل الجوارح الذي يكون بالابتعاد عن المحرّمات.

ومن فوائد الصحية: أن الانقطاع عن الغذاء طوال اليوم يجعل الجسم يغذي نفسه من المخزون الداخلي في الأنسجة وحرقها (باستثناء القلب والأعصاب) مما يحافظ على أنسجة الجسم بعيدة عن تراكم المخزون الغذائي فوق الطبيعي. ومن فوائده النفسية: التدرّب على تهذيب الشهوات وكبحها، وتقوية الإرادة والعزيمة والإصرار على الوصول إلى الهدف الذي يحدّده الشخص لنفسه، والتحكّم أيضا في السلوكات الشخصية، ومحاسبة الذات، وتنمية الضمير.

هذه الفوائد -وغيرها كثير- تجعل المسلم يقبل على صيامه، ويخلص فيه لله -تعالى- عمله؛ لأنه ما شرع الصيام إلا لمصلحة هذا العبد وتهذيب أخلاقه، جعلني الله وإياكم وأحبتنا ممن صامه وقامه إيمانا واحتسابا ففاز بالأجر والثواب العظيم، ووفقنا جميعا لاغتنام أو قاته، فيما يحب ربنا ويرضى لعباده، آمين والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.

المصدر - Array
صوت سوس