http://sawtsouss.com/wp-content/uploads/2018/01/gold-star2.gif

حديث الجمعة الحلقة : (166) دروس وعبر من تحويل القبلة .

2018 04 28
2018 04 28
Array

صوت سوس

حديث الجمعة

الحلقة: (166)

{دروس وعبر من تحويل القبلة}

الحمد لله رب العالمين، رفع من شأن هذه الأمة فكانت خير الأمم إلى يوم الدين، نحمده سبحانه وبه نستعين، ونشهد أنه الله لا إله إلا هو ولي الصالحين، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الرحمة المهداة للخلق أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فيقول ربنا الكريم في محكم التنزيل: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 142، 143] أيها القراء الأعزاء الأفاضل: نعيش-كما تعلمون- أيام شهر شعبان المباركة، وقد تحدثنا في خطبتنا ركننا الماضي عن بعض من فضائل صيامه، وأن النبي –صلى الله عليه وسلم- كان يكثر فيه من الصيام؛ لأنه شهر ترفع فيه الأعمال الرفع الحولي إلى رب العالمين، ويجمل بالمسلم أن يرفع عمله إلى الله وهو صائم.

وفي حديث اليوم نتحدث عن حدث عظيم وقع في الإسلام في منتصف شهر شعبان سنة اثنتين من الهجرة؛ لنستخلص منه بعض الدروس والعبر، إنه حدث تحويل القبلة من بيت المقدس بفلسطين إلى الكعبة المشرفة، بمكة المكرمة، ففي صحيح الإمام البخاري بسنده إلى البراء بن عازب –رضي الله عنه- قال: “كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ النبي –صلى الله عليه وسلم- المَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ، أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ «صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلاَةٍ صَلَّاهَا صَلاَةَ العَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ» فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ البَيْتِ، وَكَانَتِ اليَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وَأَهْلُ الكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ البَيْتِ، أَنْكَرُوا ذَلِكَ…” [رواه البخاري].

وفي تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى الكعبة بالمسجد الحرام حِكَم تربوية كثيرة، منها: أن العرب كانت تُعظِّم البيت الحرام في الجاهلية، فأراد الله –عز وجل- امتحانهم بتوجيههم إلى المسجد الأقصى قبلة اليهود والنصارى؛ ليخضعوا لربهم لا ما يريدون، فلما استجابوا لربهم في ذلك ردهم إلى قبلتهم وقبلة أبيهم إبراهيم. ثم لِمَ الرجوع إلى هذه القبلة؟ وعدم الإبقاء على القبلة الأولى تجاه بيت المقدس؟، نجد الجواب على ذلك في قول الله –تعالى-: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143].

فهذه الأمة أمة الوسطية؛ لأنها أمة الاعتدال والتوسط في كل شيء، وسط واعتدال في النفقة، في العبادة والتدين والتوجه إلى الله، لا غلو ولا إفراط ولا تفريط، ولا عسر ولا تكليف بما لا تطيق.

وأدلة ذلك في القرآن الكريم والسنة النبوية موجودة معلومة، منها قوله –تعالى-: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] وقوله –سبحانه-: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6]. وقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]. وقوله: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67]. وقوله: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10].

وفي السنة المطهرة يقول المصطفى –صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» [رواه البخاري في صحيحه].

وحتى قبلتنا هي وسط، وذلك من حيث تواجدها في وسط الأرض ومركزها، كما قال بذلك أهل العلم، فنحن إذن أمة خيرية وسطية، يجب أن تكون أمتنا متبوعة لا تابعة، قال ابن كثير –رحمه الله- “ولما جعل الله الأمة وسطًا خصها بأكمل الشرائع، وأقوم المناهج، وأوضح المذاهب…”. [تفسير ابن كثير (1/ 454)]. لهذا اختار الله -عز وجل- لهذه الأمة هذه القبلة ورضيها لها.

أيها الإخوة القراء الأفاضل: بقي من قول الله -تعالى-: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} أن نعرف معنى لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا؟.

والقرآن أعظم تفسير نعرفه به هو تفسير السنة، تفسير النبي صلى الله عليه وسلم، فماذا قال عليه –الصلاةوالسلام- في تفسير هذا؟: قال: “يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لِأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيَقُولُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ: {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] فَذَلِكَ قَوْلُهُ -جَلَّ ذِكْرُهُ-: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] ” وَالوَسَطُ: العَدْلُ” [رواه البخاري].

وهذا أيضا مما يدل على أفضلية هذه الأمة، حيث إنها تشهد على الأمم يوم القيامة، بما قرأت في كتاب ربها وبما أخبرها به نبيها، ولذلك جاء في رواية أخرى لهذا الحديث عند غير واحد: وَمَا عِلْمُكُمْ بِذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: أَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا بِذَلِكَ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا فَصَدَّقْنَاهُ”.

فاللهم وفقنا حتى نحرز على فضل هذا الخيرية، ووفقنا لما تحب وترضى يارب العالمين، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.

المصدر - Array
صوت سوس