http://sawtsouss.com/wp-content/uploads/2018/01/gold-star2.gif

حديث الجمعة الحلقة : (165) من فضائل شهر شعبان .

2018 04 20
2018 04 20
Array

حديث الجمعة

الحلقة: (165)

{من فضائل شهر شعبان}

الحمد لله رب الأرض والسماوات، جعل لعباده مواسم للخير يتقربون إليه فيها بالطاعات؛ ليضعف لهم الحسنات؛ ويكفر عنهم ما سلف من السيئات، نحمده تعالى وهو المحمود بحق، ونشهد أنه الله لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة صدق، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الشافع يوم القيامة في الخلق، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أهل الوفاء والصدق، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الحق.

أما بعد؛ فنخصص حلقة اليوم لذكر بعض فضائل شهر شعبان الكريم؛ لنُطِلَّ من خلال ذلك على ما كان عليه هدي سيد المرسلين في هذا الشهر العظيم، فقد جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: “كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لاَ يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لاَ يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ”. [أخرجه الشيخان].

فشهر شعبان كان نبينا سيدنا محمد –صلى الله عليه وسلم- يحرص على الصيام فيه ويكثر منه، والمسلم يقتدي بنبيه ويقتفي طريقه، ويتأسى به في كل شيء؛ لأنه –صلى الله عليه وسلم- الأسوة والقدوة التي أمرنا باتباعها، قال –تعالى-: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] وقال -عز من قائل-: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31].

وقد كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يكثر من الصيام في شهر شعبان؛ لأن أفضل التطوع ما كان قريبا من الفرض قبله أو بعده، يلتحق به في الفضل والثواب لقربه منه، وتكونُ منزلته منه بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها، وشهر شعبان جَارُ شهرِ رمضان وَلَصِيقُه، وفضل صيامه يلتحق بفضل وثواب صيام شهر رمضان. ومن الحكم في إكثار النبي –صلى الله عليه وسلم- من الصيام في شعبان ما تضمنه حديث أسامة بنِ زيد -رضي الله عنهما- حيث قال: “قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ مِنَ شَهْرٍ مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ، قَالَ: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبَ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» [رواه أحمد].

فبين –صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث النبوي الشريف: أن الحكمة من إكثاره –صلى الله عليه وسلم- من الصيام في شهر شعبان أنه شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، والمؤمن ينبغي له ويستحب أن يرفع عمله إلى الله وهو صائم.

وهذا الرفع يسمى بالرفع الحولي أو السنوي؛ إذ أعمال العباد ترفع دائما إلى الله -عز وجل- وتسجل على العبد، مصداقا لقوله –تعالى-: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق16-18] وقوله –سبحانه-: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الإنفطار10-12].

فالكل محصي ومسجل ومرفوع إلى الله في كل وقت وحين، الكل مسطور في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، قال –تعالى-: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف49]. ومما جاء في فضل شهر شعبان أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «يَطَّلِعُ اللَّهُ –عز وجل- إِلَى خَلْقِهِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ» [رواه الطبراني وابن حبان وهو حديث صحيح].

فهذا الحديث ركز على شيئين اثنين هامين:

أولهما: المغفرة، فيغفر الله في ليلة النصف من شعبان لكل عباده إلا المشرك؛ لذا وجب على كل منا أن يتفقد نفسه قبل حلول تلك الليلة، وأن يفتش كل واحد منا باطنه، لعله يكون مبتلى بشيء من الشرك، ولا تظنن بنفسك –أيها المسلم- خيرا بل اتهم نفسك في جانب الله وفي تقصيرها، فهذا أبو الأنبياء إبراهيم خليل الرحمن –عليه السلام- يخشى على نفسه وبنيه الشرك فيقول: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35] وقد بين –عليه السلام- ما يوجب الخوف من ذلك فقال: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ} [إبراهيم: 36].

الشيء الثاني: خطورة الشحناء والبغضاء بين الناس، وأن الله لا يغفر للمتشاحنين، والشحناء هي: حقد المسلم على أخيه المسلم بغضا له لهوى في نفسه، لا لغرض شرعي ومندوحة دينية، فهذه تمنع عنه المغفرة في أكثر أوقات المغفرة والرحمة، جاء في صحيح الإمام مسلم عن أبى هريرة -رضي الله عنه- مرفوعا: “تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا [رواه مسلم].

فاللهم وفقنا حتى نحرز على فضل هذا الخير، ووفقنا لإصلاح ذات بيننا يا رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.

المصدر - Array
صوت سوس