http://sawtsouss.com/wp-content/uploads/2018/01/gold-star2.gif

ماهي الصورة أو الصور النمطية الراسخة في الوعي الإدراكي الجمعي المغربي عن الفنان والفنانين ؟

2018 04 09
2018 04 09
Array

صوت سوس : ياسين أحجام

ماهي الصورة أو الصور النمطية الراسخة في الوعي الإدراكي الجمعي المغربي عن الفنان والفنانين ؟ كيف يدركونها ؟ وما هي انطباعاتهم الذهنية المتبناة نحوها ؟

كثيرا ما يوسم الفنان بكونه صانعا للقيم الجمالية، قدرته هذه على صناعة آثار فنية لا يستطيع غيره التفوق في صناعتها، تجعله يحظى بمكانة خاصة، فيكفي أن يوسم شخص ما بكونه “فنانا”، حتى يضفي عليه هذا التصنيف عددا من المميزات، مثل نوع معين من السلطة والمكانة، وربما الثروة أيضا .

غير أن هذه المكانة التي قد يحظى بها الفنان من قبل المجتمع، غالبا ما تقترن بنظرة أخرى تقلل من شأن ما ينتجه، وتجعله غير ذا قيمة بسبب طبيعة المجال الفني الذي يشتغل فيه، والذي يعتبر في لاوعي المجتمعات التقليدية مجالا للترف الزائد، أو مجالا للإنتاج اللامادي، أو حتى مجالا للعب .

فالمجتمعات التقليدية تنظر للفن نظرة استهجان ودونية وتقرنه بالوقت الضائع، إلا إذا أضحى الفن مرادفا للعمل المنتج الذي قد يراكم من خلاله الفنان، في حالة نجاحه، جزءا من الثروة، حينها يصبح للفن معنى، ويغير المجتمع نظرته إليه، لأن ما كان يعتبر مجرد لعب أو مضيعة للوقت، أضحى مهنة مدرة للدخل ومقترنة بالتفوق والنجاح الاجتماعي، وعملا ضروريا، ومجالا لخلق نماذج ورموز مجتمعية. فالمجتمعات التقليدية لا تؤمن بالفن إلا إذا أصبح صنوا للعمل المنتج وقرينا له. في ظل هذه المفارقة ما بين المكانة الاعتبارية للفنان، والنظرة الدونية للفن يصنع الفنان مجده أو اندحاره في عين المجتمع .

إن اقتران الفن بالعمل المنتج يساهم في نجاح الفنان، وفي الوقت نفسه، يرقى بصورته الاجتماعية إلى درجة الرمز والنموذج المثالي الذي يحتدى به، ويصبح مثار جاذبية تغري بالاقتراب منه ومن صورته المثالية التي تنعكس على نتاجه الفني وتمنح القيمة لما يبدعه ، كما أن تدني صورته الاجتماعية ينعكس أيضا على نتاجه الفني ويصبح بلا قيمة، لأن منطق اللعب سيف دون حدين، يفترض في اللاعب أن يكون عارفا بقواعد اللعبة وأن يعتبر ما يقوم به عملا يحتاج إلى تقنين ليكسب نتيجة عمله، وأن يكون المجال الفني مفتوحا للتفوق، أو أن يعتبر ما يجنيه مجرد هبة أو صدقة.

واعتبارا لكون الفنان يبدع آثارا فنية طابعها الجمال وغايتها المتعة، إذ ينطلق من الذات لإبداع أشكال تعبيرية جديدة ومبتكرة، متخطيا بذلك كل الضوابط الموضوعية ـــ غير الجمالية ـــ بغية اكتساب شرعية استثنائية، تمنحها له طبيعته المتمردة ، فإنه يشترط ــ في رأي الكثيرين ـــ حرية خالصة، لا تستمد شرعيتها من خارج العمل الفني أومن أية قواعد أخرى غير قواعد الإبداع الجمالي ، فالفن حسب الكثيرين، هو المجال الذي يمكن للكائن البشري أن يعبر فيه عما يستعصي عليه التعبير عنه وكشفه أو قوله في باقي المجالات الأخرى التي تتحكم فيها وتحددها الضوابط الاجتماعية والأخلاقية والدينية.

طبيعة الفن هذه، جعلت الفنان يقف في مواجهة سلطة اجتماعية تفسر عمله انطلاقا من قواعد مشتركة منطقية أو أخلاقية ، بل وتريد إخضاعه لواقع مفروض من منطلق التقاليد أو العادات أو الضوابط المشتركة ، رغم أن الإبداع الفني يتمخض في إطار نزوع ذاتي محض، وفي ذلك تعبير على أن الجمال والذوق هو أمر ذاتي لا دخل فيه لعوامل موضوعية أو لقيم جماعية إلا في مجال التفاعل و الاحتكاك.

من هذا المنطلق تحكم النظرة الذاتية العمل الفني كما تحكم رؤية الفنان للعالم، وقد عبّر عن ذلك الشاعر الفرنسي بول إيلوار عندما قال: “أن أرى العالم كما أنا لا كما هو” ، أي أنّ النظرة إلى الأشياء تمرّ عبر أحاسيس الذات ومشاعرها وأحلامها وآلامها وتمثلاتها وليست فعلا فيزيولوجيا باردا مجردا من حرارة الذات الإنسانية.

تشير الملاحظات اليومية إلى أن هناك اعتقادا متداولا بين أفراد المجتمع المغربي، مضمونه، أن الوضع الاجتماعي والاقتصادي للفنان المغربي وضع هش، رغم بعض الاستثناءات القليلة، وأن المجال الفني مجال مشرع أمام الكل، لا يشترط التعليم والتكوين لولوجه.

وبعيدا عن مدى موضوعية هذا الاعتقاد من عدمه، فإنه اتخذ من الناحية الإدراكية شكل صور نمطية في أذهان أفراد ينتمون إلى فئات متنوعة في مستوياتها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية في المغرب، أصبحت هذه الصور تعبر عن مضمونها النفسي من خلال عدد غير محدود من الألفاظ المتداولة والتي تشترك جميعها في توصيف الفنان بخصائص تنتمى إلى مفهوم الفقر والهشاشة، إذ غالبا ما يقترن لفظ الفنان ب ” مسكين” مثلا.

يعتقد الكثيرون بداية، أن المجال الفني هو مجال للاغتناء السريع، لكنه وبمجرد ما تتفاقم مشاكل بعض الفنانين وينتقل التعبير عنها إلى وسائل الإعلام، حتى تنقلب هذه الصورة، وينقلب معها الاعتقاد بأن المجال الفني، مجال هش من الصعب ممارسته، وينتقل معها الفنان من مصدر للإعجاب ونموذج للاتباع والاقتداء إلى نموذج يثير الشفقة والعطف .

كما يسود الاعتقاد بسهولة ممارسة “مهنة الفن” باعتبارها في اللاوعي الجمعي، مجرد لعب لا ترقى إلى مستوى العمل ، يبدو ذلك جليا حين يُواجَه الطلبة الذين يتابعون دراساتهم الفنية باستغراب من قبل الكثير من أفراد المجتمع كونهم يدرسون مجالا لا يحتاج أصلا للدراسة، مجال يمكن ممارسته بالموهبة فقط ، وهذا ما يبرر تحفظ الكثير من الأسر المغربية على ولوج أبنائهم للمعاهد أو المدارس المتخصصة في دراسة الفن، وتفضيلهم لمجالات أخرى، لأن الفن في اعتقادهم لا يمكن أن يكون موضوعا للدراسة والبحث وأنه مجال غير مضمون ومحفوف بالمخاطر وغالبا ما يعرض ممارسه لنهايات مأساوية تبعا لما تروجه وسائل الإعلام التي أسهمت جزئيا في تشكيل بعض هذه الاعتقادات الجامدة عن الفنانين.

عادة ما تشتق الاستدلالات النمطية من مصدرين رئيسين هما: خبرات الفرد الخاصة، والمعلومات التي تصله من الآخرين ، من هنا، فإن جزءا مهما من الصور النمطية للفنان المغربي، قد نتج عن مصدر أساسي يومي للمعلومات هو وسائل الإعلام، من تلفزة وراديو وصحافة إلكترونية وتقليدية، فضلا عن مصدر آخر لا يقل عنه أهمية وتأثيرا، هو آراء وتصريحات الفنانين أنفسهم التي أسهمت خلال السنوات الأخيرة في تعزيز هذا الاعتقاد الجامد في أذهان عامة الناس في المجتمع المغربي.

إذ لا زال الإعلام المغربي يقدم صورا نمطية عن الفنان، خاصة في حالة مرضه، يتعرض لها الآلاف من المغاربة في وقت واحد تقريبا فيتأثرون بها وتترسخ في عقولهم، فتتكون بذلك ثقافة جمعية، تنظر إلى الفنان على أنه فقير معدم، يعيش وضعية مزرية لا يستطيع معها التكفل حتى بمصاريف علاجه ، ولأن هذه الصورة التي تبثها بشكل مكثف وسائل الإعلام المغربية، وبحكم وقع الصورة المؤثر في زمن الصورة، فإنها تدفع الفنان ذاته إلى تبني الصورة السلبية عن نفسه والتماهي معها للظهور بمظهر الفنان المغلوب على أمره، مما يجعله موضع التعاطف والشفقة أيضا ، وإن كانت هذه الصورة التي يسعى الكثير من الفنانين إلى تكريسها غالبا ما تتحكم فيها غايات يسعى الفنان إلى بلوغها من خلال تلك الصورة التي يصر على نقلها إلى وسائل الإعلام والتي غالبا ما تستهدف الظفر بالتفاتة رسمية قد تتخذ أشكالا مختلفة تبعا لحالته الاجتماعية والصحية.

غير أن هذه الصور التي ترسخت لدى المجتمع، غالبا ما تكون غير منصفة، وتسيء إلى الكثير من الفنانين الذين استطاعوا تأمين حياتهم الاجتماعية سيما من الجيل الجديد الذي عرف كيف يتفاعل إيجابيا مع التحولات التي عرفها المشهد الفني خلال القرن الحالي .

المصدر - Array
صوت سوس