http://sawtsouss.com/wp-content/uploads/2018/01/gold-star2.gif

حديث الجمعة الحلقة : (164) وقفات مع حدث الإسراء والمعراج .

2018 04 06
2018 04 06
Array

حديث الجمعة

الحلقة: (164)

{وقفات مع حدث الإسراء والمعراج}

الحمد لله رب العالمين، القائل في محكم تنزيله وهو أصدق القائلين: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: 1] سبحانه جعل في معجزة الإسراء والمعراج أعظم الدروس وأكبر العبر، يستفيدها المسلم للتأسي والاقتداء والعمل، نشهد أنه الله لا إله إله إلا هو وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته والتابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد؛

فلقد أكرم الله -عز وجل- نبيه سيدنا محمدا  برحلة عظيمة بدأت من الأرض من المسجد الحرام، مرورا بالمسجد الأقصا بالقدس الشريف، وانتهت بسدرة المنتهى في السماء السابعة، وقد وقعت هذه الرحلة العظيمة في 27 من هذا الشهر، شهر رجب الحرام على المشهور من أقوال أهل العلم، وهي معجزة عظيمة تدل على عظيم قدرة الله عز وجل، معجزة إلهية باهرة، تبقى حية في الناس متجددة إلى يوم القيامة.

هذه الرحلة العظيمة كما نعلم جميعا –أيها الإخوة القراء الأكارم- تدعى بمعجزة الإسراء والمعراج، وقد أفاد العلماء من هذه المعجزة إفادات عظيمة، واستنبطوا منها وقفات إصلاحية كثيرة، فهي معجزة خالدة نافعة إلى يوم القيامة.

من تلكم الوقفات: أن هذه الرحلة بدأت بعملية جراحية أجريت لقلب نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم، تسمى بحادثة شق الصدر، حيث شق جبريل -عليه السلام- صدره –صلى الله عليه وسلم- فاستخرج منه حظ الشيطان، ثم غسله بماء زمزم، ثم أفرغ فيه طستا ممتلئا حكمة وإيمانا. [روى ذلك البخاري ومسلم]. فهذا دليل ملموس على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم، واتباع المعصوم أولى وأحق، بدليل قوله –تعالى-: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31].

ومن تلكم الوقفات: أن رحلة الإسراء والمعراج بدأت أرضية قبل أن تكون سمائية فضائية، وهو ما سماه القرآن الكريم بالإسراء، والإسراء هو المشي ليلا على الأرض، فقد كان ذلك من أجل ترسيخ رؤية القدس والإمامة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وحتى يتمكن –صلى الله عليه وسلم- من الإجابة عن كل سؤال يوجه إليه من طرف المشركين، الذين هم لا محالة لن يصدقوه فيما سيخبرهم به. ولقد سأله المشركون عند عودته –صلى الله عليه وسلم- فقالوا له: “صف لنا يا محمد بيت المقدس، كيف بناؤه؟ وكيف هيأته؟ وكيف قربه من الجبل”، فما سألوه عن شيء إلا أنبأهم به. [والحديث عند مسلم].

ومن تلكم الوقفات أن النبي –صلى الله عليه وسلم- لما وصل إلى المسجد الأقصـى، وجد في استقباله الأنبياء والمرسلين، من لدن آدم إلى عيسى عليهم السلام، بُعثوا كلهم إكراما لخاتم الأنبياء، فصلى –صلى الله عليه وسلم- بهم إماما، وبذلك نال مرتبة إمام الأنبياء والمرسلين، وإنما جعل الإمام ليؤتم به، ويقتدى بعمله، فلماذا نضيع نحن قدوة المصطفى –صلى الله عليه وسلم- وقد رضيه ربنا للأنبياء إماما؟. فلماذا ننفر نحن من سنته ونعرض عن هديه، ونبحث عن هدي المنظرين التربوين من الشرق والغرب؟، وهو –صلى الله عليه وسلم- أولى بالاقتداء والاتباع.

ومن تلكم الوقفات أن النبي –صلى الله عليه وسلم- في مراسم استقباله قدم له الخمر والحليب، فاختار –صلى الله عليه وسلم- الحليب ورفض الخمر، فزكى جبريل –عليه السلام- اختياره وقال له: “أصبت الفطرة”. [رواه البخاري ومسلم]. والفطرة طبيعة الإنسان النقية التي خلقه الله عليها؛ لذلك هو يحن إلى الحليب بمجرد ما يخرج إلى هذه الحياة الدنيا، فجعل الله غذاءه الحليب وأمر أمه أن تلبي له هذه الفطرة بإرضاعه، قال –تعالى-: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233] فإذا ما تجاوز الإنسان هذه الفطرة إلى غيرها يكون قد أضر بنفسه، وأوقعها موقع التهلكة، والله -عز وجل- يقول: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195] أيها القارئ الكريم: إن الخمر كما تفسد فطرة الدين وتخرج بها إلى طريق غير سوي، فإنها تفسد أيضا فطرة البدن؛ لأن الأمراض التي يكبدها الخمر جسد السكارى والمدمنين كثيرة وخطيرة، قد وصلت إلى أرقام مخيفة، وعدد ضحاياها بالألوف المؤلفة، منها مرض السرطان، ومرض تشميع الكبد، وأمراض العقل، وأمراض الجهاز الهضمي، ومرض السيدا الذي يأتي من المخدرات؛ لأنه لا فرق بين الخمر والمخدرات، فالرسول –صلى الله عليه وسلم- يقول: “كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ”. [رواه الإمام أحمد في المسند].

والخمر كل ما خامر العقل وستره، فالوقوف في الإسراء والمعراج عند هذا الحدث يفرض علينا أن نحافظ على فطرتنا، ونقتدي بنبينا محمد –صلى الله عليه وسلم- الذي رفض الخمر واختار الحليب، ورفضه للخمر يفرض علينا أيضا أن نقف جميعا ضد المخدرات التي يعاني منها مجتمعنا اليوم، يفرض على الآباء أن يراقبوا أبناءهم، وأن يقتربوا منهم, وأن يشاركوهم في أمورهم الخاصة؛ لئلا يسوقهم قرناء السوء إلى المهالك، يفرض على السلطات أن تشدد رقبتها على هؤلاء المفسدين المروجين لأنواع الخمور لإفساد عقول شبابنا وأجيالنا؛ إذ بهذه الأجيال وهذه العقول نبني وطننا، وطن الكرامة والعدل والخير والبركة، تحت القيادة الرشيدة لمولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس حفظه الله ورعاه.

نسأل الله –عز وجل- أن يحفظنا ويحفظ أبناءنا ووطننا من كل كيد كائد، ومكر ماكر، وشر حاسد إذا حسد، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.

المصدر - Array
صوت سوس