http://sawtsouss.com/wp-content/uploads/2018/01/gold-star2.gif

حديث الجمعة الحلقة : (163) فضل بناء المساجد وثواب الصلاة فيها .

2018 03 30
2018 03 30
Array

حديث الجمعة

الحلقة: (163)

{فضل بناء المساجد وثواب الصلاة فيها}

الحمد لله رب العالمين، جعل للمساجد حرمة في الدين، ومكانة في قلوب المؤمنين، نحمده سبحانه وبه نستعين، ونشهد أنه الله لا إله إلا هو ولي الصالحين، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الرحمة المهداة للخلق أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته والتابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد :

فيقول الله –عز وجل- في محكم التنزيل: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور: 36 -37 – 38].

أعزائي القراء الأفاضل: لقد حرص الإسلام على إعلاء مكانة المسجد حتى يكون جديرا بالدعوة إلى الله عز وجل، ففي المسجد يُعَدّ المسلم إعدادا جيدا، فيه يصلي وفيه يتعلم، وفيه يعد للدفاع عن دين الله، فالمسجد هو كل شيء في حياة الفرد المسلم؛ لذلك جاء في الشرع فضل عظيم وثواب جسيم لمن بنى لله مسجدا يبتغي به وجه الله، يصلي فيه المسلمون لربهم، ويتعلمون فيه أمور دينهم، فهو له من الصدقة الجارية، قال –عليه الصلاة والسلام- «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْنِي لَهُ بَيْتًا أَوْسَعَ مِنْهُ فِي الْجَنَّةِ» [رواه أحمد وأصحاب السنن].

وإذا كان هذا الثواب في فضل من بنى لله مسجدا ففضل أيضا من يعمر المسجد ويبكر للحضور إليه أيضا عظيم وجسيم، فقد وردت نصوص شرعية كثيرة تحث على المبادرة بالأعمال الصالحة عموما، والمسارعةِ لأداء الواجبات خصوصا، ومنها حضور المساجد والجلوس فيها لانتظار الصلوات، وتضمنت هذه النصوص ما أعد الله –تعالى- من الفضل والتكريم لمن اتصف بهذه الصفات، التي تدل على رغبة صاحبها في فعل الخيرات، والمسارعة لنيل القربات، قال الله –تعالى-: {سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}. [آل عمران: 133].

وقال -سبحانه وتعالى-: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [المائدة: 48]. أيها القارئ الكريم: إن التبكير إلى المساجد وانتظار إقامة الصلاة والاشتغال بالذكر وقراءة القرآن من أسباب المغفرة ومن أعظم الخيرات، ولقد أجمل النبي –صلى الله عليه وسلم- الثواب العظيم في التبكير بقوله -عليه الصلاة والسلام-: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ، لاَسْتَهَمُوا» وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاَسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً». [أخرجه مالك في موطئه، والبخاري ومسلم في صحيحيهما].

إن المبادرة إلى حضور المساجد دليل على تعظيم الصلاة وتعلق القلب بالمسجد، ودليل على أن الصلاة عند المبادِرِ مقدمة على كل شأن من شؤون حياته، وهذا -والله- عنوان الفلاح وعلامة الصلاح.

ولقد ضرب السلف الصالح -رضوان الله عليهم- في هذا أروع الأمثلة، حيث كان اهتمامهم بالصلوات في أو قاتها وحضورهم المساجد لأقامتها شغلَهم الشاغل، لا يلهيهم عنه تجارة ولا عمل ولا مال ولا أولاد.

فهذا عدي بن حاتم -رضي الله عنه- يقول: “ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء” [سير أعلام النبلاء ط الرسالة (3/ 164)].

ويقول سعيد بن المسيب: “ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد”. [سير أعلام النبلاء ط الرسالة (4/ 221)] ولتحفيز الهمم أذكر طرفا من فضائل المبادرة إلى المساجد وفوائدها، وبيان ما رتب الله –تعالى- على ذلك من الأجر العظيم، وما يحصل من الفوائد الجمة التي يظفر بها كل مبادر مسارع إلى أداء فريضة الله إذا سمع منادي الله يدعوه: (حي على الصلاة حي على الفلاح).

فمنها: الاتصاف بصفة من يظلهم الله في ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله”. فذكر منهم: “ورجل قلبه معلق بالمساجد» [أخرجه مالك والبخاري ومسلم].

وفي رواية الإمام مالك: «ورجل قلبه متعلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه» أي: الرجل الذي تعلق قلبه بالمسجد، فأحبه حبًا شديدًا، إذا أدى فريضة انتظر الأخرى، يصلي مع الجماعة، ويبادر إلى الحضور، فالمبادرة وتعلق القلب في المسجد أمران متلازمان.

ومنها: أن من خرج إلى المسجد فهو في صلاة مادام يينتظر الصلاة، طال الوقت أو قصر. وهذا فضل من الله ورحمة، دل على ذلك ما ورد عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: «لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة … ». [أخرجه البخاري ومسلم].

ومنها: أن انتظار الصلاة بعد الصلاة من أسباب محو الذنوب وتطهيرِ العبد من خطاياه، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات”؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: “إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط» [أخرجه مسلم].

فالحديث بعمومه يفيد فضل انتظار الصلاة، والمبادرةِ بحضور المسجد. فإن الانتظار يشمل انتظار الوقت وانتظار الجماعة، كما يشمل انتظارها في المسجد بالحضور مبكرًا، وانتظارها في البيت أو الشغل أو السوق ليبادر بالحضور، وذلك لتعلق فكره وقلبه بها، فهو دائم الحضور والمراقبة، غيرُ مُلْتَهٍ عن أفضل العبادات البدنية بشيء.

نسأل الله –عز وجل- أن يوفقنا لبناء المساجد والقيام على خدمتها، وإعمارها بالحضور والذكر وقراءة القرآن والصلوات فيها، وأن يمن علينا بالهداية والتوفيق والسداد، وأن يستر علينا عيوبنا في الدنيا ويوم التناد، وأن لا يخزينا يوم الميعاد، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.

المصدر - Array
صوت سوس