حديث الجمعة الحلقة : (159) شدة هبوب الرياح .

2018 03 02
2018 03 02
Array

حديث الجمعة

الحلقة (159)

{شدة هبوب الرياح}

الحمد لله اللطيف الخبير، مجري الأمور بالمقادير، والمتصرف في الكون بما يشاء وهو على كل شيء قدير، نشهد أنه الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله البشير النذير، والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته، وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد؛

فقد أخرج الإمام الطبراني في الكبير بسنده إلى سيدنا عبد الله بن عباس –رضي الله عنهما- مرفوعا قال: “كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا هَاجَتْ رِيحٌ اسْتَقْبَلَها بِوَجْهِهِ، وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمَدَّ بِيَدَيْهِ، وَقَالَ: «اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الرِّيحِ وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، اللهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً وَلَا تَجْعَلْهَا عَذَابًا، اللهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا وَلَا تَجْعَلْهَا رِيحًا».

أيها القراء الأفاضل الكرام: عشنا هذه الأيام في بعض مناطق المغرب مع شدة هبوب الرياح التي فاقت سرعتها المعهود مما أخاف الناس، وأكثروا معه الدعاء بالسلامة واللطف ورفع الباس، وهم محقون في ذلك مصيبون؛ إذ الريح في حقيقتها إما رحمة من الله أو عذاب.

فهي رحمة حينما يرسلها –الله عز وجل- لسوق السحب في السماء إلى حيث يشاء الله، فيسقي به من يشاء من عباده، قال الله الكريم: {اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الرُّوم:48].

فهم يستبشرون بها لما يعقبها من الرحمة والغيث المبارك الذي تكون به حياتهم، وحياة أنعامهم وأشجارهم وزرعهم، ونماء أموالهم ورغد عيشهم.

وهي أيضا رحمة عندما يرسلها الله –عز وجل- لتلقيح الزرع والشجر، فيهتز بإذن الله –تعالى- خضرا مثمرا، وتنقل أيضا البذور من أرض إلى أرض، حتى إذا سُقيت الأرض اكتست خضرة وربيعا، وأصبحت بساطا أخضر بأنواع النبات يبهج الناظرين، قال –تعالى-: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} [الحجر:22].

وهي أيضا رحمة حينما ير سلها الله –عز وجل- لقوم ساكنة طيبة، تجري بها فلكهم في البحار حيث يريدون، قال –تعالى-: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا…} [يونس: 22] وقال –سبحانه-: {إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } [الشورى: 33]، فاللهم اجعلنا لك من الشاكرين، ولنعمائك من الذاكرين.

أيها الإخوة الأفاضل: إن في الرياح من المنافع الكثيرة ما لا يحصى ولا يخفى على أحد، فهي المانعة بإذن ربها من الرطوبة المهلكة للانسان والأرض والنبات، وهي المانعة بإذن ربها من تغير المياه وبقائها صالحة للاستعمال والشرب، وكل ذي حياة على وجه الأرض منتفع بها؛ لذلك قيل: لو حبست الريح عن الناس ثلاثا لأنتن ما بين السماء والأرض؛ ولذلك أيضا قد ندرك سر إقسام الله –عز وجل- بها في قوله –سبحانه-: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا فَالحَامِلَاتِ وِقْرًا} [الذاريات:1-2].

فالذريات هي الرياح، والحاملات هي السحب.

وهي أيضا عذاب ونقمة حينما يرسلها الله –عز وجل- لهلاك المتجبرين المتكبرين بغير الحق، فتتحول من ريح طيبة هادئة إلى عاصفة تغرق من في البحر، أو تكاد بإذن ربها، فلا ملجأ لهم حينئذ منها إلا الله –تعالى- القائل: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [يونس: 22، 23].

ولذلك حذر الله –تعالى- العباد من الكفر به وأمن مكره، وهددهم بريح تغرقهم إن لم يرجعوا عن غيهم فقال: {أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا} [الإسراء: 69]. وقد أهلك الله –عز وجل- بها عادا قوم نبي الله هود -عليه السلام- لما كذبوا رسولهم ولم يؤمنوا به، وقالوا مفتخرين بقوتهم وجبروتهم: “من أشد منا قوة” قال –تعالى-: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ} [فصلت: 15، 16].

وكان من شدة هذه الريح أنها ترفع الواحد منهم في السماء، ثم تلقيه صريعا على الأرض حتى يُفصل رأسه عن جسده، كما قال الله –تعالى- في وصف فعلها بهم: {تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} [القمر: 20، 21]. أيها الإخوة الأفاضل: إن الريح أعجوبة من الأعاجيب يحتاج البشر إليها ولكنهم يخافون منها، ولو عملوا ما عملوا من وسائلهم ومخترعاتهم لما حركوها وهي ساكنة. وإذا تحركت فلا طاقة لهم بإيقافها أو تخفيفها، أو تحويل مسارها. وغاية ما يفعلون الهَرَب منها، والاحتماء بالملاجئ عنها.

فما أضعف البشر! وما أعجزهم! وما أقل حيلتهم أمام الريح! وهي آية واحدة من آيات الله تعالى، وجندي واحد من جنود لا تحصى {وَللهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [الفتح:7] …{كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} [المدَّثر:31].

فالمشروع لكل مسلم ومسلمة عند هبوب الريح أن يرجو رحمة الله ويخاف عذابه؛ فقد رحم الله –عز وجل- بها أقواما وعذب بها آخرين، وقد كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- “إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا، تغير وعرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَتْ له أم الؤمنين عائشة –رضي الله عنها: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَى النَّاسَ، إِذَا رَأَوْا الْغَيْمَ فَرِحُوا، رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ، وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عَرَفْتُ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةَ؟ قَالَتْ: فَقَالَ: “يَا عَائِشَةُ مَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ، قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ، فَقَالُوا: {هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} [رواه مسلم].

نسأل الله تعالى العافية من سخطه ونقمته، كما نسأله تعالى أن يحفظنا وبلدنا وبلاد المسلمين أجمعين من الأهوال والشرور والفتن والمصائب ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه، آمين. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.

المصدر - Array
صوت سوس