http://sawtsouss.com/wp-content/uploads/2018/01/gold-star2.gif

فنان أمازيغي يروّض أنامل أمريكيين على عزف الموسيقى المغربية

2018 02 24
2018 02 24
Array

صوت سوس : محمد الراجي

يشتغل فتاح عبو، الفنان الأمازيغي المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، على تعريف بنات وأبناء “العمّ سام” بالثقافة المغربية، والأمازيغية خاصة، من خلال الموسيقى. وتمكَّن فتاح، بفضل إصراره وأناته وجَلَده، من ترويضِ أنامل مجموعة من الأمريكيين على مداعبة أوتار الآلات الموسيقية المغربية. كما روّض حناجرهم وألسنتهم إلى أن أصبحت تؤدّي مقاطع من الأغاني الأمازيغية.

من هنا كانت البداية

وُلد فتاح عبو في بلدة أسيف إسكساوان بإمي نتانوت؛ وبعد إتمام مراحل التعليم الأوّلي والإعدادي والثانوي، انتقل إلى مدينة مراكش لاستكمال مشوار التعليم العالي في جامعة القاضي عياض، حيث حصل على شهادة الإجازة في الأدب الإنجليزي.

شغفُ ابن إمي نتانوت بالموسيقى ابتدأ مُذْ كان صغيرا؛ فقدْ جرّب بدوره، كغيره من أبناء القرى الأمازيغية، أن يصنع آلة “لُوطار”، من وعاء زيْت محرّك السيارات، مُختَرق بعود خشبي تستوي عليه أوتارٌ هي في الأصل أسلاكُ فراملِ الدراجات النارية.

حين غادرَ فتاح عبو بلدته الصغير بإمي نتانوت، ترَك خلفه “لوطارَه” الصغير؛ لكنّه حمَل معه عشْقَ الموسيقى إلى جامعة القاضي عياض، وهناك سيلتقي بصديق له يُدعى محمد أولوف، المتحدر من ورزازات، كان بدوره عاشقا للموسيقى، وكانا يعزفان معا.

بعد حصوله على الإجازة، يَمّمَ فتاح عبو وجهه شطر الولايات المتحدة الأمريكية، وتحديدا إلى ولاية كاليفورنيا، وفي بلاد العمّ سام سيلتقي فتاح بصديقه محمد أولوف، الذي سبقه إلى هناك، فأنشأ الاثنان معا مجموعة موسيقية اختارا لها اسم AZA، ثم افترقا، ولكنَّ عشق الموسيقى ظل لصيقا بابن إمي نتانوت.

حين وصل فتاح عبو إلى الولايات المتحدة الأمريكية استرعى اهتمامه أمْر جعله يقتنع بأنَّ الموسيقى يُكمن أن تلعبَ أدوارا أكبر من الاستمتاع بها، وهو أنّه يمكن أن تكون وسيلة لتعريف الأمريكيين، الذين تتشكّل تركيبتهم من خليط من المهاجرين، بالثقافة المغربية.

“لقد لاحظتُ، حين قَدِمتُ إلى الولايات المتحدة الأمريكية أنَّ كثيرا من المغاربة المقيمين هنا ينحصرُ طمُوحهم فقط في العمل، ثم العودة إلى “البْلاد” في العطلة الصيفية، في حين أنّه يمكن القيام بأشياء كثيرة لفائدة الثقافة المغربية هنا”، يقول فتاح في تصريح للجريدة .

عقبات البداية

لمْ يحتفظ ابن إمي نتانوت بالملاحظة التي استرتْ انتباه، بل سعى إلى أن يجعل من نفسه نموذجا مختلفا؛ وكانت خطوته الأولى صوبَ المجلس الثقافة لمدينة سانتاكروز، حيث يقيم، وقدّمَ مشروعا ثقافيا وفنّيا، حصَل على دعْم مالي من المجلس لتنفيذه.

المشروع الثقافي، الذي قدمه فتاح عبو إلى المجلس الثقافي لمدينة سانتاكروز، كان عبارة عن مهرجان دامَ نصفَ يوم للتعريف بالثقافة المغربية، كالطبخ والموسيقى والعادات والتقاليد، من خلال استضافة أساتذة جامعيين وباحثين من المغرب ومن شمال إفريقيا.

الإقبال الكبير، الذي لقيه المهرجان الذي نظمه فتاح عبو، مكّنه من الحصول على الدعم في السنة الموالية من المجلس الثقافية لمدينة سانتاكروز، ونالَ دعما ثالثا.. ولكيْ يستمر الدعم طلبَ منه مسؤولو المجلس أن ينشئ إطارا جمعويا؛ لكنَّ ذلك تعذّر، بسبب قلّة المغاربة الموجودين في المنطقة حيث يقيم، فتوقّف المهرجان قَسْرا.

بالرغم من توقف المهرجان، بعد انقطاع دعم المجلس الثقافي لمدينة سانتاكروز، فإن حُلم فتاح عبو بإقامة “جِسْر ثقافي” بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية عبر دعامات الفنّ لم يتوقف. وهكذا، بدأ مشروعا صغيرا، عبارة عن ورشة لتعليم الموسيقى المغربية، وخاصة الأمازيغية، للأمريكيين.

من داخل قاعة صغيرة في بيت ابن إمي نتانوت انطلق المشروع، وكانت البداية بخمسة أمريكيين، ثم بدأ المشروع يكبر شيئا فشيئا، إلى أن صار عدد الأشخاص الذين يحضرون إلى بيت فتاح عبو لتعلّم قواعد الموسيقى المغربية عشرين شخصا، تختلف أعمارهم، ويوحّدهم شغف اكتشاف ثقافة لا يعرفون عنها إلا القليل.

لم يكن تلقين أسس الموسيقى المغربية للأمريكيين سهْلا، لكن فتاح آل على نفسه كَسْب هذا التحدي، وساعده على ذلك اهتمام “تلاميذه”. يقول “ليس سهلا أن تعلّم الأمريكيين الموسيقى المغربية، ولكن مع توالي الحصص بدأت العوائق تذلل، وما ساعد على نجاح مهمتي هو أنهم مواظبون على الحضور، ومجدّون بشكل لافت”.

“سفير ثقافي”

علاقة الأمريكيين الذين يقصدون بيت فتاح عبو لتعلم الموسيقى المغربية لم تقتصر علاقتهم بالمغرب عند هذا الحد؛ بل إنّ رغبتهم في سبر أغوار الثقافة المغربية جعلتهم يزورون المملكة، في رحلات ثقافية يصحبهم فيها “معلّمهم”، يزورون خلالها عددا من المدن المغربية، ويلتقون فنانين مغاربة، من أجل التعرف على الموسيقى المغربية أكثر.

“إحدى الشابات الأمريكيات التي دأبت على الحضور إلى الورشات الموسيقية التي أنظمها رافقتنا في زيارة إلى المغرب، فأعجبت به، والآن تزوره مرتين في السنة، وتمكث فيه عدة أسابيع، وتتحدث الأمازيغية بشكل جيد”، يقول فتاح، الذي قضّى في الولايات المتحدة الأمريكية تسعة عشر عاما.

ويضيف أن هدفه الأساسي من تنظيم رحلات ثقافية لفائدة الأمريكيين إلى المغرب، فضلا عن تعريفهم بالثقافة المغربية، هو كسر تلك الأفكار المسبقة السائدة لديهم عن المجتمع المغربي. ويوضح المواطن المغربي: “منهم من يعتقد مثلا أن المرأة المغربية لا تستطيع الخروج من البيت، وأنا أترك لهم حرية طرح أي سؤال يريدون، وأترك الأجوبة معلقة إلى حين قدومهم إلى المغرب، حيث يَرَوْن واقعا مختلفا تماما عمّا كانوا يعتقدونه”.

وبالرغم مِن أهمية العمل الذي يقوم به في التعريف بالثقافة المغربية في بلاد العم سام، وقيامه “بعمل لا تقوم به حتى السفارات”، كما يقول، فإن فتاح عبو لا يتلقى أي دعم من أي جهة مغربية رسمية، بالرغم من مراسلاته الكثيرة لهذه الجهات، مشيرا إلى أنه زار المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ونوّه مسؤولون بالعمل الذي يقوم به؛ “لكن حين تصل الأمور إلى مسألة الدعم يتوقف كل شيء”.

حين يصحب فتاح عبو الأمريكيين إلى المغرب، يحرص على أن يفتح أمامهم هامش حرية الخوض في كل المواضيع، الفكرية والثقافية وحتى السياسية، ونتيجة ذلك هي أن نظرتهم إلى المجتمع المغربي تتغير بعد الاحتكاك بأفراده، خاصة في ظل كرم الضيافة الذي يتحلى به المغاربة، “فهم يرحّبون بضيوفهم بما لديهم، ولو كان قليلا، وهذا ما يشجع أمريكيين آخرين على القدوم إلى المغرب بعد أن ينقل إليهم من سبقوهم إليه صورة جيدة عنه”، يقول ابن إمي نتانوت باعتزاز.

المصدر - Array
صوت سوس