http://sawtsouss.com/wp-content/uploads/2018/01/gold-star2.gif

حديث الجمعة الحلقة : (158) وقاية النفس من خطر الطريق

2018 02 23
2018 02 23
Array

حديث الجمعة

الحلقة (158)

{وقاية النفس من خطر الطريق}

الحمد لله رب العالمين مكور الليل على النهار، أمرنا بحفظ الأنفس وحمايتها من كل الأخطار، نحمده -سبحانه وتعالى- ونستغفره وهو العزيز الغفار، ونشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله النبي المختار، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته ما تعاقب الليل والنهار، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.

أما بعد؛

فيقول ربنا –جل وعلا- في محكم التنزيل: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [النحل:5-9].

إخواني أخواتي القراء الأعزاء: بمناسبة اليوم الوطني للسلامة الطرقية، الذي يخلد في الثامن عشر من شهر فبراير من كل سنة، نخصص ركن اليوم للحديث عن عناية الإسلام بسلامة الأرواح البشرية، والدعوة إلى حفظها من كل ما يضر بها أيا كان نوعه.

وما من شك أن موضوع حوادث السير موضوع جلل، بات يقض مضاجعنا ويشغل بالنا جميعا؛ إذ ما مِن يوم ينقضي إلا ونسمع عن عددٍ من حوادث السير المفجعة التي تحصد الأرواح هنا وهناك، وآخرها قتلى وجرحى مدينة طنجة الأسبوع الماضي، فلمَ لا نعمل جميعا على الحدِّ من هذه الحوادث المؤلمة؟!. خصوصا وأن نصوص الشريعة الإسلامية قد حمتْ حق الإنسان في الوجود، وحقه في الأمن والأمان، وشرعتْ الحدودَ التي تحفظ هذا الحق وتصونُه.

لذا يُعَدُّ الخروجُ على هذه النصوص الشرعية والقانونية التي شرعت لحفظ الأنفس مخالفةً يأثم صاحبها ويُعَدُّ عاصيًا؛ لأن النُظُم والقوانين التي وضعت لتنظيم السير تخدم بالدرجة الأولى مصلحة الفرد والمجتمع؛ لأنها توفر السلامةَ والأمن والأمان لسالكي الطريق، وينبغي أن يلتزم الجميع بهذه النُظم وتلك القوانين التي وضعت لمنعِ الأذى، وفي الحديث النبوي الشريف يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَات” فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا، فَقَالَ: “إِذَا أَبَيْتُمْ إِلاَّ الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ” قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: “غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلاَمِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْىُ عَنِ الْمُنْكَر” [أخرجه الشيخان].

إخواني القراء: إن الله -جلَّ شأنه- حَمَى الأنفسَ البشرية، وأكَّدَ حقها في الحياة عندما اعتبر قتْلَ نَفْسٍ واحدةٍ قَتْلاً للبشرية كلِّها، وإحياءها إحياءً للبشرية كلها، يقول الحق –سبحانه وتعالى-: {مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة:32].

فالله -جلّ جلاله- خلق الإنسان ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وسخر له ما في الكون جميعًا لإسعاده، قال –تعالى-: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا} [الإسراء:70].

فالذي كرَّم هو الله، والذي حمل في البر والبحر هو الله، والذي هيأ وسائل السفر والانتقال عن طريق السفن والطائرات والقطارات والسيارات وغيرها هو الله، قال -سبحانه-: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [النحل:5-9].

وبناءً على هذا فإنه لا يحل لنا بهذه الوسائل التي سخرها اللهُ لنا أنْ نُبَدِّلَ نعمةَ اللهِ كُفْرَا، وذلك بالتسبب في إزهاق الأرواح وترويع الآمنين، وفي الحديث الشريف يقول النبي –صلى الله عليه وسلم-: “لا يحل لمسلم أن يروِّع مسلمًا” حديث صحيح رواه أبو داود وغيره.

وهل هناك ترويعٌ أشدُّ من السُّرعةِ الزائدة عن حدِّها التي تؤدي إلى قَتْل وتمزيقِ الإنسان، بالإضافة إلى ما تخلفه من جروح وعاهات وتشوهات تَدْمِى لها القلوب. فانظروا –سلمكم الله وعافاكم- إلى شبابنا كيف يقودون سياراتهم ودراجاتهم النارية وحتى العادية، سرعة جنونية لا تتصور، وكأنهم في حلبات السباق.

إنه تهور زائد ينبغي للعاقل أن يفكر في عواقبه الوخيمة الدنيوية والأخروية، فليست نفسك أيها الإنسان ملكا لك حتى تفعل بها ما تشاء، إنها لله، فحافظ عليها حتى ترجع عليه معافاة سليمة، إلا إذا وقع لها شيء خارج عن إرادتك، فأنت حينئذ معذور، أما إن قتلتها أو قتلت بها فأنت مسؤول أمام الله –عز وجل- يوم القيامة، ولذلك كانت الفتوى الشرعية التي تقول: “إن من تجاوز الحدَّ المسموح به في السرعة فتسبب في قَتْلِ نفسه أو قتْلِ غيرِه كان مسؤولاً أمام الله يوم القيامة؛ لقوله –تعالى-: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا } [الإسراء: 33] ولقوله –صلى الله عليه وسلم-: «لزوال الدنيا عند الله أهون مِنْ قَتْلِ مُسْلِمٍ» [رواه أصحاب السنن].

إخواني القراء: إن السرعة الزائدة عن حدِّها تؤدي إلى تحطيم وتخريب الممتلكات العامة والخاصة، وقد نهى النبي –صلى الله عليه وسلم- عن إضاعة المال، وقال في حجة الوداع: “إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا”، وقال: “كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه”، ونظر إلى الكعبة فقال: “ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده، لَحُرْمَة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك، ماله ودمه”.

فيجبُ علينا أن نبتعد عن إيقاع الأذى وإلحاق الضرر بغيرنا حتى لا نكسب إثمًا عند الله، قال -تعالى-: {وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ} [النساء:111].

ومن أشدِّ أنواع الأذى التعدي على المؤمنين أثناء سيرهم في الطرقات العامة، علمًا بأن حق الطريق حق مشترك، وينبغي على كل فرد أن يفسح الطريق لأخيه حتى لا يقع مكروه لا تحمد عقباه، {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} [الأحزاب:58].

ومن صور الإيذاء إيقاف السيارات بطريقة عشوائية تضيِّق على الآخرين وتعطل مصالحهم، وتقطع طريقهم فتضطرهم إلى سلوك طريق السيارات فتقع بذلك حوادث السير.

فعلينا بأسباب السلامة التي هي الرفق والانتباه للطريق واليقظة الدائمة مع الاعتماد على الله، والمحافظة على الأنفس والأموال، والتزام الأدب والطمأنينة واتباع أنظمة المرور، حتى لا نكون نحن المتسببين في إزهاق نفس بريئة، ثم يكون من نتائج ذلك: حرمان شخص من الحياة، وحرمانه من التزود بالعمل الصالح والاستغفار من العمل السيئ. ثم: حرمان أهله وأصحابه من التمتع معه في الحياة. حفظنا الله جميعا وحفظ بلدنا وشعبنا وملكنا وأمتنا كلها من كل بأس وسوء ومكروه، وأدام علينا نعمة الأمن والآمان، وعلى جميع دول العالم آمين.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.

المصدر - Array
صوت سوس