حديث الجمعة الحلقة : (156) دعوة الإسلام إلى العناية بإثبات نسب الأبناء .

2018 02 09
2018 02 09
Array

حديث الجمعة:

الحلقة (156)

(دعوة الإسلام إلى العناية بإثبات نسب الأبناء)

الحمد لله رب العالمين، القائل في محكم كتابه المبين: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا} [الفرقان:] نحمده سبحانه حمد الصادقين، ونشكره على نعمه المسبغة على عباده ظاهرا وباطنا في كل وقت وحين، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد النبي الأمي الهادي الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فيقول الله -جل جلاله- في محكم التنزيل: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا} [الفرقان: 54]. يقول المفسرون في معنى هذه الآية: إن الله –عز وجل امتنّ بالنسب والصهر على عباده، ورفع قدرهما، وعلّق الأحكام في الحل والحرمة عليهما، فلا يلحق الباطل بهما ولا يساويهما. وإذا لم يكن النسب ثابتا شرعا لم تثبت حرمة المصاهرة. [التفسير المنير للزحيلي (19/ 89)].

إخواني القراء الأعزاء: موضوع اليوم يتعلق بذكر فضائل هذه النعمة، نعمة النسب والمصاهرة؛ فمن شرف الانسان وعلو مكانته، نسبته إلى والديه؛ لقول الحق –سبحانه-: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 5].

أي: انسبوا أولئك الذين تبنيتموهم وألحقتم نسبهم بكم إلى آبائهم الحقيقيين، فذلك أعدل في حكم الله وشرعه، وأصوب من نسبة الابن لغير أبيه. [التفسير المنير للزحيلي (21/ 236)].

وفي الحديث الصحيح المروي عند البخاري ومسلم وغيرهما، «مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ». قال ابن كثير –رحمه الله-: “وهذا تشديد وتهديد ووعيد أكيد، في التبري من النسب المعلوم” [تفسير ابن كثير (6/ 379)]. فأبناؤنا من حقوقهم علينا التي كفَلها لهم الإسلام منذ اليوم الأول من ولادتهم: الحق في الانتساب إلى الوالدين: الأب والأم، وهو حق طبيعي وبديهي تتتفرّع عليه جملة من الحقوق، وتترتّب عليه جملة من المسؤوليات المتّصلة بالتربية والإنفاق والرعاية والحماية.

وقد حرَّم الإسلام تبرؤ الإنسان من نسبه، كما حرَّم عليه أن يُلحق بنسبه مَن ليس ابناً حقيقياً له؛ لأنّ قضية النسب هي من القضايا الحسّاسة التي لا يجوز التلاعب فيها ولا تغييرها.

لذلك شرع الإسلام لحمايتها الزواج الشرعي الذي يجمع بين الأبوين، ويكون من نتاجه الأولاد: البنون والبنات، الذين ينتسبون إلى والديهم انتسابا شرعيا، ورفض كل علاقة بين رجل وامرأة خارج نطاق الإطار الزوجي، واعتبرها علاقة محرّمة وما ينتج عنها غيرَ شرعي، وأن ذلك يؤدي بالأطفال إلى الحرمان الذي ينتج عنه الانحراف عن الطريق السوي.

كما أن إثبات نسب الأطفال عن طريق الزواج الشرعي حماية لهم من كل انحراف وضلال، ومحافظة على الأنساب من الاختلاط والامتزاج.

ولا يكمل هذا ويتم إلا بإتمامه بالإجراءات القانونية الضرورية التي دعت الحاجة إليها اليوم، من تسجيل أبنائنا في سجلات الحالة المدنية لمن لم يسجلوا بها، حتى تحفظ لهم حقوقهم وكرامتهم، ويعيشوا في سعادة واطمئنان كغيرهم، ممن يتمتعون بهذه الحقوق كاملة تامة، فدعوة المسؤولين والغيورين في هذا البلد عن حقوق أطفالنا قائمة دائما على توجيه الناس ممن لم يقم بهذا الواجب إلى اغتنام الفرصة والقيام به.

فمن العيب أن نجد في وقتنا هذا الذي اندحر فيه الجهل وتقدم العلم، من العيب أن نجد فينا وبيننا من لم يسجل بعد أبناءه في سجلات الحالة المدنية؛ ليتمتعوا بحقوقهم الشرعية، وليستفيدوا قانونيا من كل ما يتوقف على هذا الواجب، فليبادر كل من لم يقم بهذا الواجب وليهرع إلى مكتب الحالة المدنية التابع له إداريا للقيام بالإجراءات المطلوبة والكفيلة بحماية هذا الحق.

وفقنا الله جميعا إلى ما يحبه ويرضاه، وجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، آمين.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.

المصدر - Array
صوت سوس