http://sawtsouss.com/wp-content/uploads/2018/01/gold-star2.gif

حديث الجمعة الحلقة : (155) إكرام الجار .

2018 02 02
2018 02 02
Array

حديث الجمعة:

الحلقة (155)

(إكرام الجار)

الحمد لله رب العالمين، أوصى بالجار خيرا فقال –سبحانه- وهو أصدق القائلين: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ} [النساء: 36].

نحمده سبحانه حمد الصادقين الأبرار، ونستغفره مما صدر منا من تفريط في حقوق الجوار، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد النبي المختار، ومنقذ الأمة من عذاب النار، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته الأطهار، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار.

أما بعد:

فنخصص حلقة اليوم لخلق عظيم رفيع من أخلاق الإسلام، دعا إليه القرآن وسنة النبي خير الأنام، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، إنه خلق إكرام الجار، فأنعم به وأكرم.

فإكرام الجار خصلة حميدة أوصى بها الإسلام وحث عليها الشرع الحنيف، حيث نجد في القرآن الكريم قول الحق -سبحانه وتعالى-: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء: 36]

ونجد قوله –عليه الصلاة والسلام-: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت” [رواه البخاري ومسلم].

وانطلاقا من هذين النصين فإن الإسلام أوصى بالجار خيرا، وأعلى من قدره ومكانته؛ حيث قرن الله –عز وجل- حق الجار بعبادته سبحانه، كما قرنها بالإحسان إلى الوالدين واليتامى وذوي الأرحام، كما مر معنا في الآية الآنفة الذكر في هذا المقام.

وقد جاءت نصوص شرعية أخرى عدة في السنة النبوية داعية إلى رعاية حقوقِ الجارِ، والوصايةِ به، وصيانةِ عرضه، والحفاظ على شرفه، وستر عورته، وسدّ خلَّته، وغضِّ البصر عن محارمه، والبعد عن كل ما يريبه، ويسيء إليه.

ومن أجلِّ تلك النصوص وأعظمها ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة وابن عمر -رضي الله عنهم- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيوَرِّثه». [رواه البخاري ومسلم].

والجار في الاصطلاح الشرعي هو من جاورك جوارًا شرعيًّا، سواء كان مسلمًا أو كافرًا، برًّا أو فاجرًا، صديقًا أو عدوًّا، محسنًا أو مسيئًا، نافعًا أو ضارًّا، قريبًا أو أجنبيًّا.

وللجار مراتب بعضها أعلى من بعض، تزيد وتنقص بحسب قربه وقرابته، ودينه وتقواه، ونحو ذلك؛ فيعطى بحسب حاله ما يستحق.

ولا شك أن الجوارَ في المسكن هو أجل صور الجوار وأوضحُها، ولكنَّ مفهوم الجار والجوار لا يقتصر على ذلك فحسب، بل هو أعمُّ من ذلك وأشمل؛ فالجار معتبرٌ في المتجر والسوق والمزرعة والمكتب ومقعد الدرس، وغير ذلك.

أيها الأخ القارئ الكريم: إن حقوق الجار على وجه التفصيل كثيرة جدًّا، أما أصولها فتكاد ترجع إلى أربعة حقوق.

أولها: كف الأذى عنه: فالأذى في حق كل أحد بغير موجب محرم شرعا، وإذاية الجار أشد تحريمًا، جاء في صحيح الإمام البخاري عن أبي شريح -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه». [رواه البخاري].

وجاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه». [رواه مسلم].

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره». [رواه البخاري ومسلم].

ثانيها: حمايته من كل بلاءٍ في عرضه، أو بدنه أو ماله، أو نحو ذلك. ثالثُها: الإحسانُ إليه؛ فذلك دليل الفضل، وبرهان الإيمان، وعنوان الصدق، وقد تقدم حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره».

رابعها: احتمال أذاه: وذلك بالصفح عن زلاته، ولا سيّما إن صدرت منه إساءةٌ من غير قصد، أو إساءةٌ ندم عليها، وجاء معتذرًا منها؛ فاحتمالُ أذى الجارِ ومقابلةُ إساءتِه بالإحسان من أرفع الأخلاق وأعلى الشيم.

فهذه الأصولُ الأربعةُ هي التي عليها مدارُ حقوقِ الجارِ، فمتى روعيت قيل بالإحسان إلى الجار، ومتى فقدت حلت الإساءة وحل التقصير في حق الجار. والمتأمل اليوم لحالنا مع جيراننا يجد تقصيرًا كبيرًا في هذا الباب، ومن صورِ ذلك التقصير مضايقةُ الجارِ وحسدُه واحتقارُه، وكشفُ أسراره وتتبعُ عثراته، والفرحُ بزلاته.

ومن ذلك: كثرةُ الخصومةِ معه، والتهاجرُ والتدابرُ عنه بأدنى وأتفه سبب، وقلةُ الحرص على إصلاح ذات البين إذا فسدت بين الجيران، فلنرجع إلى ديننا ففيه كل ما يسعدنا، ويصلح علاقتنا، ويجعل من مجتمعنا مجتمعا مثاليا فاضلا.

نسأل الله -عز وجل- أن يوفقنا للإحسان إلى جيراننا، وأن يؤدي عنا حقوقهم، وأن يرزقنا جميعا التخلق بأخلاق نبينا -صلى الله عليه وسلم- في كل جوانب حياتنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، آمين.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.

المصدر - Array
صوت سوس