حديث الجمعة الحلقة : (154) الله الله في أعراض الناس .

2018 01 26
2018 01 26
Array

حديث الجمعة:

الحلقة (154)

الله الله في أعراض الناس

الحمد لله رب العالمين ستار الغفار، مكور الليل على النهار، يعفو عن السيئات ويتجاوز عن الهفوات، نحمده سبحانه على سعة إحسانه، وواسع كرمه وعطائه، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد النبي الأمي عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، وسار على نهجه واقتفى أثره وطريقه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فيقول ربنا الكريم -عز من قائل سبحانه-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 12]. إخواني القراء الأعزاء: ظاهرة خطيرة تفشت في مجتمعاتنا الإسلامية بالدرجة الأولى، وأسهم في الترويج لها الإعلام بمختلف وسائله، خصوصا شبكات التواصل الاجتماعي في الفضاء الأزرق والأخضر، وهي في شرعنا خطيرة ومحرمة، ورد فيها وعيد شديد، واستحق صاحبها إن لم يتب منها العذاب الأليم يوم القيامة، إنها ظاهرة الاستطالة في أعراض الناس، ونشر ما يقال عنهم من خصال سيئة قصد التشفي والاحتقار، أو رصدِهم بالصور والفيديوهات وهم غي غفلة من أمرهم، أو تزوير لقطات مخلة بالحياء ونسبتها إليهم، كل ذلك مما أصبحنا نقرؤه بعناوين كثيرة، من مثل: فضيحة فلان أو فلانة، أو خطير: فلان يجر إلى الاعتقال بتهمة كذا وكذا، فتنشر هذه الأخبار فور وصولها إلى الناس انتشار النار في الهشيم، فتتشت بها أسر، وتفرغ بها بيوت، وتتحول معها الحياة إلى جحيم لا يطاق.

فالله الله في أعراض إخوانكم المسلمين، اتقوا الله –تعالى- ولا تبادروا بنشر كلِّ ما يصلكم من أخبار على صفحاتكم حتى تتأكدوا من صحة ما قيل وكتب وصور، واعلموا أن الحق –سبحانه وتعالى- يقول في محكم التنزيل: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36] ويقول –سبحانه-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6].

ثم أي غرض وأي حاجة لك أيها المسلم وأيتها المسلمة في نشر خبر لفلان أو فلانة مخل بالحياء، أو متهم لفلان أو فلانة بالسرقة أو النصب أو كذا وكذا، فاتركوا الأمر للعدالة تقول في ذلك كلمتها، وإن خفي أمر هذا الانسان على عدالة الدنيا ولم يأخذ جزاءه فيها، فإن هنالك يوم القيامة عدالة إلهية قسطية لا ينجو منها ظالم أو معتد أو مختلس، أو فاعل أي شيء مما لا يحل، إلا أن يتغمدنا الله وإياه بواسع رحمته، ويسترَنا وأياه بستره السابغ الواسع.

فتصور معي -أخي المسلم أختي المسلمة- لو كنت أنت المعني بهذا الخبر، بغض النظر عن صحته أو كذبه، كيف ستكون حياتك ونفسيتك وأنت ممن يُتَحَدَّثُ عنهم بكذا وكذا.

أيها الإخوة القراء الأعزاء: الله الله في أعراض إخواننا، فقد شاع هذا الأمر وانتشر بيننا، فلم يعد له منكر، فكم من مسلم جرَّد لسانه مِقراضًا للأعراض، وانتهاكًا للحُرمات في همز ولمز وحطٍّ وانتقاص، فهذا طويل، وهذا قصير، وهذا أحمق، وهذا فاسق، وهذا منافق، وهذا مُداهِن، وهذا زان، وهذا ضبط في كذا وكذا، بل كم ترى من رجلٍ متورِّع عن الفواحِش والظلم، وعليه مظاهر الصلاح من صلاة وصيامٍ وصدقات، ولكن لسانه يفرِي في أعراض الناس الأحياءِ منهم والأموات، لا يُبالي ما يقول، فهلاَّ حجَزَته عبادتُه،! وهلاَّ كفَّه صلاحُه،! وهل يكب الناسَ في النار على وجوههم إلا حصائدُ ألسنتهم.

قال –صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ مِنْ أَرْبَى الرِّبَا الِاسْتِطَالَةَ فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ» رواه أبو داود بإسناد صحيح. ويقول –صلى الله عليه وسلم- أيضا: «أَرْبَى الرِّبَا شَتْمُ الْأَعْرَاضِ، وَأَشَدُّ الشَّتْمِ الْهِجَاءُ وَالرَّاوِيَةُ أَحَدُ الشَّاتِمِينَ» ويقول سفيان بن عيينة – رحمه الله -: “الغِيبة أشد عند الله من الزنا وشرب الخمر؛ لأن الزنا وشرب الخمر ذنبٌ فيما بينك وبين الله – عز وجل -، فإن تُبتَ تاب الله عليك، والغِيبة لا يُغفَر لك حتى يغفِر لك صاحبُك”. أيها الإخوة الأعزاء القراء: الغِيبة محرمة في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وإجماع أهل العلم، وتأباها الفِطَر المستقيمة، والنفوس الطاهرة، والصدور السليمة، جاء في “الصحيح” عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت للنبي -صلى الله عليه وسلم-: حسبُك من صفية كذا وكذا -تعني: أنها قصيرة-، فقال: «لقد قلتِ كلمةً لو مُزِجَت بماء البحر لمَزَجَته»؛ أخرجه أبو داود بسندٍ صحيح. سبحان الله! كلمة واحدة يستهين بها المُتكلِّم، لو مُزِجت بماء البحر لمَزَجَته، فما بالُكم بمن يُقطِّعون مجالسهم، ويُمضون ساعاتهم مُتلذِّذين بتمزيق أعراض الناس، فكِهين بنهش لحومهم.

فهنيئا لمن وقاه الله شرَّ ما بين لحييْه، وشر ما بين رِجلَيْه، فلا تُكثِروا -حفظكم الله- الكلامَ بما لا يُفيد، فكثرة الكلام بغير ذكر الله تُورِثُ قسوة القلب، وإن أبعد الناس من الله القلبُ القاسي، ولا يستقيم إيمان عبدٍ حتى يستقيم قلبُه، ولا يستقيم قلبُه حتى يستقيم لسانه.

فاللهم اجعلنا ممن استقامت ألسنهم ليستقيم قلبهم، واعصمنا وإخواننا من الاستطالة في أعراض الناس، واغفر لنا ما مضى منا من غير قصد آمين.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

صوت سوس : الدكتور / حمد بن محمد فاضل.

المصدر - Array
صوت سوس