حديث الجمعة الحلقة : (147) مكانة القدس والمسجد الأقصى في الشريعة الإسلامية .

2017 12 07
2017 12 07
Array

حديث الجمعة الحلقة (147)

مكانة القدس والمسجد الأقصى في الشريعة الإسلامية:

الحمد لله رب العالمين، أبان في شرعه الحنيف منزلة المسجد الأقصى الشريف، نشهد أنه الله لا إله هو وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

يقول الله -عز وجل- في محكم تنزيله {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ } [الأنبياء: 71]. أيها القارئ الكريم: لقد نص ديننا الإسلامي الحنيف على تبريك مدينة القدس الشريف وجاءت الآيات المتعددة تذكر هذا التبريك الذي كان قبل ظهور الإسلام، وقبل إسراء النبي -صلى الله عليه وسلم- إليها، فحين يصف الله -سبحانه وتعالى- القدس وما حولها بالأرض المباركة فإن ذلك تنويه بمكانتها وتعريف للمسلمين بأهميتها وقيمتها.

قال المفسرون: {الأرض التي باركنا فيها} هي أرض الشام وتشمل بيت المقدس، وبركاته الواصلة إلى العالمين أن أكثر الأنبياء بعثوا فيه فانتشرت في العالمين شرائعهم وآثارهم الدينية، وهي البركات الحقيقية.

وكيف لا يكون لبيت المقدس هذا الفضل وهو أولى القبلتين، حيث صلى المسلمون إليه في بادئ الأمر نحوا من سبعة عشر شهراً، قبل أن يتحولوا إلى الكعبة ويتخذوها قبلتهم بعد أنزل الله –تعالى-: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) .[البقرة:144].

وتوثقت مكانة المسجد الأقصى في نفوس المسلمين بحادثة الإسراء والمعراج، تلك المعجزة العقائدية التي اختص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصاغها المولى بكلمات مجلجلة في آذان وقلوب المؤمنين إلى قيام الساعة، فقال -جل جلاله-:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ{. [الإسراء:1].

فقد وضع الحق -سبحانه- بهذه الآية مسؤولية رعاية الأقصى وحمايتَه من عبث العابثين وانحراف المنحرفين على المسلمين عموما في مشارق الأرض ومغاربها، ثم إن الشريعة الإسلامية بعد هذا ربطت بين مكانة كل من المسجد الحرام بمكة المكرمة، والمسجد النبوي بالمدينة المنورة، والمسجد الأقصى بالقدس المشرفة، فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى” [متفق عليه].

فهذا الحديث وغيره كثير يؤكد على مكانة المسجد الأقصى في الإسلام، وَيُؤصِّل أيضاً للمسؤولية العظمى الملقاة على عاتف المسلمين حكاما ومحكومين في الدفاع عن القدس والمسجد الأقصى وحمايتهما ورعايتهما وصيانتهما من أي عبث أو تهويد أو قرارات لا مسؤولة من أي جهة صدرت، مادام فيها اعتداء على مقدساتنا، وهذا الدفاع وهذه الغيرة على كل مقدس هي من ديننا أمر به شرعنا.

ومن هذا المنطلق وهذه المسؤولية العظيمة وجه مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس -حفظه الله- رسالة إلى رئيس أمريكيا يستنكر فيها ما يود هذا الرئيس الإقدام عليه من نقل مقر سفارة أمريكا إلى القدس، والاعتراف به عاصمة لدولة إسرائيل، فنبهه جلالة الملك -حفظه الله- إلى خطورة الأمر وسوء عاقبته، قائلا له: “أود أن أنقل إلى فخامتكم انشغالي الشخصي العميق، والقلق البالغ الذي ينتاب الدول والشعوب العربية والإسلامية، إزاء الأخبار المتواترة بشأن نية إدارتكم الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل سفارة الولايات المتحدة الأمريكية إليها [إلى أن قال حفظه الله] فالقدس، بحكم القرارات الدولية ذات الصلة، بما فيها على وجه الخصوص قرارات مجلس الأمن، تقع في صلب قضايا الوضع النهائي، وهو ما يقتضي الحفاظ على مركزها القانوني، والإحجام عن كل ما من شأنه المساس بوضعها السياسي القائم”.

أيها القارئ الكريم: إن ما يتعرض له المسجد الأقصى اليوم لهو مما تنبأ به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث قال فيما أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه عن أبي ذر الغفاري -رضي الله عنه-: تَذَاكَرْنَا وَنَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَيُّهُمَا أَفْضَلُ: مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَوْ مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ فِيهِ، وَلَنِعْمَ الْمُصَلَّى، وَلَيُوشِكَنَّ أَنْ لَا يَكُونَ لِلرَّجُلِ مِثْلُ شَطَنِ فَرَسِهِ مِنَ الْأَرْضِ حَيْثُ يَرَى مِنْهُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا- أَوْ قَالَ: خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا”.

فهذا الحديث من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، حيث أخبرنا عن حال ما سيؤول إليه المسجد الأقصى من مؤامرات الأعداء عليه، وستزداد تلك المؤامرات إلى درجة أن يتمنى المسلم أن يكون له موضع صغير يطل منه على المسجد الأقصى أو يراه منه، ويكون ذلك عنده أحب إليه من الدنيا وما فيها.

وفيه أيضا دلالة واضحة على أن قضية الأقصى ستبقى حيةً في نفوس أبناء هذا الدين، لا يزعزع اعتقادهم بذلك إنكار الأعداء وافتراء المعتدين، وأن قضية بيت المقدس والمسجد الأقصى، لا تنفصل أبداً عن قضية الإسلام الكبرى. وها نحن نعيش في زمن نلمس فيه صدق ما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- مما سيكون عليه المسجد الأقصى، والمتتبع لأحواله في ظل الاحتلال اليهودي الحاقد والأحداث اليومية والممارسات الصهيونية يوقن بصدق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، حيث يسعى الصهاينة بكل الطرق لتفريغ المسلمين منه، وتهجيرهم والتضييق عليه، معتمدين على من يساندهم في ظلمهم وعنادهم.

جعل الله تدميرهم في تدبيرهم، وحفظ المسجد الأقصى من مكرهم وعنادهم وخبثهم، وأعاد الله لهذه الأمة مجدها وعزها ونصرها، إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه آمين.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.

المصدر - Array
صوت سوس