حديث الجمعة الحلقة : (146) ذكرى مولد سيد الكائنات.

2017 11 30
2017 11 30
Array

حديث الجمعة الحلقة (146)

ذكرى مولد سيد الكائنات.

الحمد لله رب العالمين، القائل في محكم تنزيله في شأن نبيه وحبيبه: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]. نحمده سبحانه بجميع المحامد كلها لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله القائل: “أدبني ربي فأحسن تأديبي” صلى الله عليه وعلى آله وصحابته والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد؛ فكما أسلفت في الحلقة الماضية نعيش أيام شهر ربيع الأول، شهر مولد النبي المفضل، نبينا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وإنها لنعمة عظمى، ومنّة كبرى أن بعث الله رسوله رحمةً للعالمين، وهداية للناس أجمعين، فأحيا الله -عز وجل- به قلوبًا ميتة، وأسمع به آذانًا صمًا، وأنار به أعينًا عميًا، وجعل رسالته خاتمة خالدة، شاملةً لكل أسود وأبيض، وعربي وعجمي، فبلغ دينُه ما بلغ الليل والنهار، ودخل كل بيت حجر ومدر. فأعظم وأنِعم وأكرم بنبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح غاية النصح، وجاهد في دين الله حق الجهاد، فبين طرق الخير كلها ودعا إليها، وبين طرق الشر كلها وحذر منها. أيها القارئ الكريم: إن الخير كلَّ الخير في اتباع سنة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- واقتفاءِ أثره وسلوك طريقته، وسبيلُ ذلك معرفةُ هديه وتعلمُ أقواله وأفعاله، وتدارسُ سيرته، فإنها المعين الذي لا ينضُب، والروضة الندية التي لا ينقطع زهرها، فكلما قلّب المرء النظر فيها وأوعى قلبه لها نال من معاني الإيمان واليقين، والبصيرة والهدى ما تستقيم به خطاه وتطيب به حياته، ويَسْعَدُ به في دنياه وأخراه. وإن مما يجب أن يُقطَفَ من زهور تلك الروضة الندية زهورَ الأخلاق، التي افتقد مجتمعنا التمتع بطيب أريجها، والاستمتاعَ بنظارة حسنها، فراح يبحث عنها في المذاهب الكلامية والفلسفات الغربية، فوجدها حبيسة تمثلات لأناس نظروا وقضوا نحبهم، بينما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكن مكتفيا بجانب التنظير، ولكنه كان خيرَ من يمتثل ما يأمر به ويدعو إليه. ولنأخذ القدوة منه -صلى الله عليه وسلم- في حلقة اليوم في جانب التواضع والحياء، وقد أمر الله رسوله بذلك فقال: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [سورة الشعراء: 215]. وذلك أن التواضع يتألف القلوب ويملكها بالمحبة، وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما أدبه ربه متواضعاً، خافض الجناح، لين الجانب، إذا جلس بين أصحابه كان كأحدهم، لا يتعالى ولا يترفع عليهم، ولا يعطي لنفسـه امتيازاً إلا ما تقتضيه طبيعـة القيـادة من الأمر والنهـي. فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- “كان يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويركب الحمار، ويجيب دعـوة العبد…” [رواه ابن ماجه]. وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: “كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخصف نعله ويَخيط ثوبه، ويعملُ في بيته كما يعمل أحدكم في بيته” [رواه أحمد]. وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُكْثِرُ الذِّكْرَ، وَيُقِلُّ اللَّغْوَ، وَيُطِيلُ الصَّلَاةَ، وَيُقَصِّرُ الْخُطْبَةَ، وَلَا يَأْنَفُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الْأَرْمَلَةِ، وَالْمِسْكِينِ فَيَقْضِيَ لَهُ الْحَاجَةَ» [رواه النسائي والدارمي بإسناد صحيح]. هكذا كان تواضع الرسول – صلى الله عليه وسلم- ! فأين نحن اليوم من هذا الخلق؟. ومن أخلاق الرسول – صلى الله عليه وسلم- الحياء من فعل الشر، والحياء هو: مما يقبح فعله أو يكره، حيث إن الحياء خصلة تمنع من صدور القبيح أو الرضا به. قال -عليه الصلاة والسلام-: “الحياء لا يأتي إلا بخير” [رواه البخاري ومسلم]. وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: مر النبي -صلى الله عليه وسلم- على رجل وهو يعاتب أخاه في الحياء يقول: إنك لتستحي، حتى كأنه يقول: قد أضرَّ بك، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “دعـه فإن الحيـاء من الإيمان” [البخاري ومسلم]. والحياء لا يكون في تعلم العلم أو الاستفسار عما أشكل على الإنسان، أو في قول الحق بحيث يمنعه من طلب العلم، بل الحياء في هذا المواضع مذموم. والواجب هو السؤال من أجل التعلم للعمل. ونكتفي بهذا القدر من حلقة اليوم، على أمل أن نقف في الحلقات القادمة مع هدي آخر من هدي نبينا -صلى الله عليه وسلم- للتأسي والعمل. وفي انتظار ذلك ندعوا قائلين: اللهم إنا نسألك أن توفقنا للتخلق بأخلاق نبينا -صلى الله عليه وسلم- الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه، إنك ولي ذلك والقادر عليه آمين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.

المصدر - Array
صوت سوس