حديث الجمعة الحلقة: (145) سيرة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أسوة الحسنة .

2017 11 23
2017 11 23
Array

حديث الجمعة

سيرة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أسوة الحسنة (145)

الحمد لله رب العالمين، باعث الأنبياء والمرسلين رحمة للعالمين، وهداية للخلق أجمعين، نحمده سبحانه حمدا يليق بنعمه وإفضاله، والشكر له على ما أولى من جوده وكرمه، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد عبد ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا. أما بعد؛ فيقول الله –تعالى- في محكم تنزيله -وهو أصدق القائلين-: {أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِين} [الأنعام: 89، 90]. أيها القراء الأعزاء الأوفياء: نعيش أيام شهر ربيع الأول، شهر مولد الرسول المفضل، صلى الله عليه وآله وسلم، ويجمل بالمسلم أن يستظل هذه الأيام وغيرها تحت ظلال سيرته –صلى الله عليه وسلم- العطرة، ليغرف من معينها الصافي، وليسقي بها ظمأ الغفلة والصدود والإعراض الذي أصبنا بها في مجتمعنا. ولنبدأ الحديث بنبذ من سيرة الأنبياء عليهم السلام؛ لإن صلتهم بالملأ الأعلى وسعيهم إلى لتطبيق ما يوحى إليهم، ومسارعتَهم إلى مرضاة الله -سبحانه وتعالى- تجعل منهم قدوة لاتباعهم في الإيمان والعمل الصالح؛ إذ الأنبياء -عليهم الصلاة 2 / 4 والسلام- يمثلون قمة العبودية لله تعالى، وهم القدوة لغيرهم في ذلك، كما أن سيرتهم الذاتية هي النبراس لغيرهم أثناء السير إلى الله تعالى. إن في رسم معالم التوبة والاستغفار، واستدرار الرحمة والرضوان من خلال سيرتهم تشريعًا للأمم، ولو لم تكن هذه الوقائع في سيرهم فَأَنَّى للمذنبين أن يدركوا طريق الإنابة إلى ظلال رحمة ربهم؟. ونذكر لذلك نماذج للتأسي والاقتداء: إن في لجوء آدم -عليه السلام- إلى ربه بالابتهال، والإنابة بقوله: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]. مخرج لكل عبد أذنب ذنبا وأراد أن يتوب إلى الله، وكلنا معرضون لارتكاب الذنوب والمعاصي، قال –عليه الصلاة والسلام-: “كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ”. [رواه أبوداود والترمذي في السنن]. وفي ابتهال ذي النون في بطن الحوت {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87]. زاد لمن وقع في ضيق الدنيا وتقلبات أحوالها وسُدَّتْ في وجهه السبل، أن يدعو بدعائه فيزيل الله همه وغمه، ويكشف ما به من كربات. وفي إنابة داود -عليه السلام- واستغفاِره وإقبالِه على ربه بالطاعة والعبادة إدراك للصلة بين العبد وخالقه ومولاه ومالكه. {وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ، فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 24، 25]. فلو تُرِك البشر يشرعون لأنفسهم طريق التوبة والإنابة والاستغفار لما اهْتَدَوْا إلى رضوان ربهم، ولضلوا كما ضل من شرع لنفسه شؤون حياته الدنيوية، «إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ» {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [رواه أصحاب السنن]. 3 / 4 والشرائع التعبدية كلها من الله -سبحانه وتعالى- وليس لأحد أن يشرع لنفسه. وفي الصبر على شدائد الدنيا ومكاييد الخلق ضرب الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- أروع الأمثلة في ذلك، فالأنبياء قطعوا المسافات في سبيل الدعوة إلى الله، واغبرَّت أقدامهم في سبيل الله، وبذلوا أموالهم وأنفسهم من أجل إعلاء كلمة الله، وعرق جبينهم وتشققت أقدامهم من أجل نصر دين الله، ابتلوا، وأوذوا، وهاجروا، وأُخرجوا، وقاتلوا، وقُتلوا، وزُلزلوا، وطُردوا، وشُتموا، وعُيِّروا، واتُّهموا، وضُربوا، فَرَحِمُوا، وصبروا، حتى نصرهم الله، وأنقذ بهم الخلق من الكفر والنار، قال الله –تعالى- مخاطبا نبيه محمدا –صلى الله عليه وسلم- وداعيا إياه إلى الصبر: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ} [الأنعام/34]. كما علمتنا سيرة الأنبياء -عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام- أيضا الأخذ بالأسباب، فهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما هاجر إلى المدينة أخذ بالأسباب وعمل بها؛ حتى يعمي الخبر على كفار قريش، وهذه مريم -عليها السلام- تؤمر بالأخذ بالأسباب مع ضمان الرزق، قال –تعالى-: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} [مريم:25]. وموسى -عليه السلام- أخذ بالأسباب حينما فر من فرعون وخرج من المدينة خائفاً يترقب، فلنأخذ بهذه الأسباب معتمدين على رب العباد؛ لنصل إلى المراد، ولنكن ممن يقتدي بهم في ذلك الصبر العظيم إن وقع لنا ما يجعلما نجزع من هم أو غم أو كيد أو اعتداء في عرض أو مال، اقتداء بسيرهم التي قصها علينا القرآن الكريم. 4 / 4 وفقنا الله لكل خير وتقوى، ويسرنا لليسرى، وجنبنا العسرى، إنه الولي المنعم على عباده بالهداية والتوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.

المصدر - Array
صوت سوس