إنّه ليس زلزالاً .. بل طفرة لتقويم الازورار

2017 11 02
2017 11 02
Array

“الزّلزال” رديف الهدم، والدّمار، والموت، والهلاك، والتّوىَ، وهو يأتي على الأخضر واليابس، ونقيضه البناء، والنّماء، والحياة، والتشييد، والتعمير، وتقويم ما أمسى مُعوَجّاً، أو مُزوَرّاً، أو هو توخّي إصلاح ما أضحى معطوباً، أو بات مُعطّلاً، أو متعثراً، أو متأخّراً.

وبلاغ الديوان الملكي الأخير أعاد الأمور بهدوء إلى نصابها، بعد سلسلة من الاختلالات، والتعثرات، والتماطلات، والتقصيرات التي طالت العديد من المشاريع التنموية الكبرى التي أشرف على تدشينها عاهل البلاد بنفسه في نطاق ما يُعرف بـ”الحسيمة منارة المتوسّط”، ممّا أفضى إلى خروج الآلاف من ساكنة هذه المدينة التاريخية الفيحاء شيبها وشبابها، أطفالها وشيوخها، إلى الشّوارع، والأزقّة، والسّاحات، والميادين للتعبير عن استيائهم وامتعاضهم من التقاعس، والتماطل، والتكاسل، والتواكل، والتثاقل، والتأخيرات التي طبعت إنجاز وتنفيذ المشاريع والأوراش التنموية التي دُشّنت في المنطقة، ممّا سبّب في غضبات مبرَّرة ومتكرَّرة شديدة المِراس، نظراً للأهميّة القصوى التي تنطوي عليها هذه المشاريع لمدينة الحسيمة على وجه الخصوص، وللإقليم على وجه العموم، ولسائر مناطق المغرب وجهاته قاطبةً من بناء مُستشفيات، ومُستوصفات، ومعاهد، وجامعات، ومصانع، ومعامل، وإحداث مرافق وقطاعات للنهوض الثقافي، والاجتماعي، والتربوي، خاصّة بعد أن عانت كلّ من هذه المدينة بالذات وإقليمها من مظاهر التهميش، والنسيان، والإقصاء، منذ سنوات طويلة خلت لأسباب لا تعزب على بال أحد، وقد صادف كلّ ذلك مقتل شهيد لقمة العيش اليومي المشمول برحمة الله تعالى محسن فكرى.

طفرة بِنَاءٍ وتقويم اعوجاج

“الزّلزال” كلمة ممقوتة، يمجّها الذّوق، وتأنفها الأذن، وتنبذها الذكريات الأليمة التي عاشها أهلُ الحسيمة أنفسهم في ذواتهم، فلا أحد من سكان الرّيف أو سكان المغرب يمكن أن ينسى فاجعة زلزال عام 2004 التي حصدت أكثر من 600 قتيل وآلاف الجرحىَ، ولا أحد ينكر أنها كانت أعنف الرجّات التي هزّت المغرب في ذلك الإبّان، التي ضربت المدينة ومناطقها، ونواحيها، وضواحيها، وأرباضها، إنها كلمة – والحالة هذه- تعيد إلى الأذهان أفظع المآسي، وأقسى مظاهر العذاب والآلام التي تندّ عن هذه الكلمة التي لها وقع مُرعب، ومُفزع على أنفسنا، وأعماقنا، ووجداننا، ومَسامعنا.

إن الإجراءات الزجريّة التي قام بها عاهل البلاد في حقّ هؤلاء المُقصّرين من بعض الوزراء وكبار المسؤولين في الدولة في أداء مهامهم المنوطة بهم الذين استخفّوا، واستهانوا، واستباحوا، واستهتروا بالأمانة الموضوعة بين أيديهم، وحيال المسؤوليات الخلقيّة الجسيمة التي أدّوا عنها القَسَم القانوني أمام رئيس الدولة وأنظار الشعب المغربي قاطبة، هذه الإجراءات ليست كما ذهب وَوَصَفهَا معظمُ الكتّاب، والمثقفين، والمُحللين، والمتتبعين لهذا الموضوع، ناهيك عن العناوين، والمانشطات التي خرجت بها علينا في الأيّام الأخيرة كبريات الجرائد، والصّحف، والمجلات، والمواقع الإلكترونية، ووسائل الاتصال الاجتماعية في المغرب بهذا الوصف الممقوت وهو “الزّلزال” .. فالزلزال – حتى وإن كان كناية عن الارتجاج والاهتزاز الشديدين- إلاّ أنه غالباً ما يُقرن في اللاّوعي الباطن للقارئ أو المتلقّي بالدّم، والدّمار، والدّوار، والأسى، والحِرمان، والهلع، والفزع، والألم، والمَضض، والمُعاناة، والهدم، والرّدم، والتلف، واليتم، والثّكل، والموت، والهلاك، في حين إن المُتوخىَّ بطبيعة الحال هو عكس ذلك على الإطلاق.

خُزاميّة النّفْس عِطرية الشّذى

فالذي رامه بلاغ الديوان الملكي هو عكس ذلك تماماً حيث كانت غايته، وهدفه، وتطلعه هو إعادة البناء، والإعلاء، والإنماء، وإصلاح وتقويم ما أمسى مُعوَجّاً غيرَ قويم، ووضع قاطرة التنمية على سكّتها الصحيحة نحو المستقبل المنشود ليس في مدينة الحسيمة ونواحيها وحسب، بل في مختلف مناطق وجهات الوطن.

الحسيمة هذه الحاضرة الصّغيرة في حجمها، الكبيرة في مَقامها، المغمورة، النائية، التي يحيط بها البحرُ، وتطوّقها الجبالُ الشّاهقة، والهضابُ الشّامخة، والآكام العالية من كلّ جانب، هي الحاضرة خُزاميّة الشّذى والنّفْس، عِطرية الهوىَ والنّفَس، عَبِقة الرّوح والقبَس التي تزهو بشواطئها الجميلة، وبسواحلها الفسيحة، وبمناظرها الطبيعية الخلاّبة، وبأهلها الأخيار، وبأناسها الأبرار، في مختلف أرجاء المعمور، داخل الوطن وخارجَه.

في هذا الصّقع الرّيفيّ النائيّ ذي التضاريس الطبيعية الوعرة، والأخاديد الجبلية الصّعبة الذي عاش سكّانه على الفِطرة، وترعرعُوا على البساطة، وعَشِقوا الحياة الحرّة الكريمة. في ربوعهم، وأحيائهم، وأرباضهم، ومَرابعهم، ومَرابضهم، وقراهم، ومَداشرهم، وبواديهم، وَضِيَعِهم لم ينفكّوا يدقّون أبوابَ الحريّة الحمراء دقّاً عنيفاً، ولا يرضون أبداً بها أو لها بديلا. ويشهد لهم التاريخُ أن حُسنَ الجِوار، والحِوار كان دأبُهم، والذّود عن لحمة ووحدة وطنهم، والدفاع عن حوضه، كان دَيدَنُهم، وعدم الرّضىَ بالظّلم والضّيم، والجّفوة والجفاء كانت غاياتهم ومراميهم.

في هذا الرّكن القصيّ الجميل الذي يظلّ قرص الشمس ناشراً خيوطه الذهبية، وأشعّته المخمليّة، حيث أمواج البحر تتلاحق، وتتسابق، وتتعانق، وتتبارىَ للوصول إلى سواحله المرشوشة بمساحيق التِّبرٍ الخالصٍ، أو بدقيقٍ المسك والعنبر، وحيث يظلّ شُعاعه ساطعاً، لامعاً، ناصعاً في الأفق البعيد، وكأنه زورق حالم ينثر الضياءَ في فضاءات هذا الكون الهائل الفسيح، راسماً للعيان منظرا رائعاً خلاّباً في أبهىَ صُوَره، وأسنىَ رونقه مُمثّلاً في خليج المدينة الفريد في بابه الذي انتُخِب في المدّة الأخيرة من بين أجمل خُلجان العالم.

عودة إلى اللقب الجميل

أجل يتباهى الناس بهذه الحاضرة تباهياً، ويُعجبون بها إعجاباً لانتمائها لبلدٍ يُوصف أو يُنعت في مراجع، ومصادر، ومظانّ المؤرّخين بـ “ذيل الطاووس” لألوانه القوسقزحيّة الزّاهية، ولجمال شطآنه، وسِحر مناظره، ولا ريب أن هذا النعت جاءه من تأثير حكاية طريفة شهيرة تُروىَ عن رحّالة مغربي ذائعِ الصّيت، كان قد زار ذات مرّة في القرن الرابع عشر الميلادي حاضرة بغداد التي كانت تُوصف إبّانئذ بمدينة السّلام ..! في زمنٍ لم تكن فيه القارة الأمريكية البِكر قد اكتُشفت بعد، وكان الناس يعتقدون في ذلك الإبّان أن العالم ينتهي عند هذا السّاحل الأقصى البعيد في بلادنا الحبيبة، وكذا في إسبانيا بمنطقة جليقة أو غاليسيا حيث يوجد مكان يُسمّى (فينيشتيرِّي) ومعناه حيث تنتهي الأرض، ويقال إن الفاتح عقبة بن نافع دخل بحصانه في مياه المحيط الأطلسي على السّواحل المغربية حتى غطّت مياهُ البحر قوائمَ فرَسه، واستلّ سيفه ورفعه إلى أعلى في العِنان مخاطباً المحيط الهادر قائلاً له: “والله لو كنتُ أعلم أن وراءكَ أرضاً لفتحتها بسيفي هذا”…!

واأسفاه، واحرّ قلباه.. لم يطلق الفارس الهُمام لأشرعة مراكبه وفُلْكه العِنان في الفضاء اللاّزوردي الفسيح لاقتحام مجاهل المحيط واجتيابه بسبب الأمواج العالية، واللّجج الصاخبة لبحر الظلمات المُرعب، وظلّ حيث وقف حصانُه، حتى قام بهذه المهمّة بعده البحّار المغامر كريستوفر كولومبوس..

المهمّ أن رحّالتنا عندما حطّ رحله ببغداد العامرة رمقته “عيون الخليفة” وما أن أبلغوه بوجوده بالمدينة حتّى أمر جندَه بإحضاره إليه فوراً، فلمّا مثل الرحّالة بين يديّ الخليفة قال له متهكّما، وساخراً، ومزدرياً، ومستهزئاً: “يا مغربي، قيل لي إنك قدِمتَ من بلدٍ بعيد جدّاً، وقيل لي كذلك إن الدّنيا هي على شكل طائر كبير، ذيلُه المغربُ الأقصى لبُعده عن حواضر وبلدان المشرق”. فأجابه الرحّالة على الفور: “أجل يا أميرَ المؤمنين هذا صحيح، ولكنّ الذين أخبروكم بذلك نسوا أن يقولوا لكم إن هذا الطائر هو الطاووس، وإنّ أجملَ ما في الطاووس ذيلُه”. وبذلك نفهم مغزىَ الحكاية الطريفة إيّاها وعمقها في نعت بلادنا بهذا اللقب الجميل.

الحسيمة “منارة المتوسّط”

كان سكان مدينة الحسيمة يتنفّسون الصّعداء، ويرفعون أنظارَهم إلى السّماء، ويجيلون بأبصارهم في فضاءاتها الواسعة مترامية الأطراف، ويحدّقون في سديمها السّرمدي الأبدي الفسيح، وبقدَرٍ مُشْعَلٍ على شفاههم يرجونها أمراً في قرارة أنفسهم، ويستعطفونها سرّاً في أعماقهم، ويناشدونها بلسماً شافياً، وترياقاً مُداوياً لجروحٍ غائرةٍ مُجترّةٍ..! بعد أن كان أهلها يُسامُون سوء الصّنيع، ويعانون البعاد والتباعد، والإقصاء والتنابذ، والتهميش والجحود، بعد أن كانوا يعاتبون الأيّام الحالكات، ويلومون الليالي المدلهمّات التي لا تُؤمَنُ بَوائقُها، بعد كلّ ذلك غمرهم الرّجاء، وجاءهم الإنقاذ وانقشع الكرْبُ، وانبلج الفَرَج بعد أن كانوا يشكون الدّهرَ القاهر، ويناغون الزّمن الغادر.

بعد كلّ الذي جرى، فإنّ أهل هذه الحاضرة الفيحاء استبشروا خيراً عميماً بعد أن تفضّل مبروراً، وأطلق عاهل البلاد إشراقة الأمل لانطلاق أشغال الأوراش الكبرى في إطار برنامج “الحسيمة منارة المتوسّط” (2015- 2019)، بغلاف مالي يناهز 6,5 مليارات درهم، حيث تمحور مخطّط هذا البرنامج التنموي الضّخم في خمسة محاور أساسية، هي: التأهيل الترابي، والنهوض بالمجال الاجتماعي، والصحّي، وحماية البيئة، وتدبير المخاطر، وتقوية البنيات التحتية، وتأهيل المجاليْن الثقافي والديني، لبلورة مشروع تنموي طموح يروم إخراج هذه المنطقة من العزلة والهشاشة طويلتي الأمد، وإلحاقها بقاطرة التنمية الوطنية على المستوى المتوسّط والبعيد، ويهدف إلى “تشجيع الاستثمارات والمشاريع التنموية، المدرّة لفرص الشغل، خاصّة في قطاعات السياحة، والصيد البحري، وبناء اقتصاد فلاحي عصري منتج، كفيل بجعل منطقة الرّيف قطباً من أقطاب التنمية الحضرية والقروية في جهة الشمال، مندمجاً في النسيج الاقتصادي الفسيفسائي الوطني”.

إلاّ أن معظم مرافق وقطاعات هذا المشروع الضّخم لم ترَ النور، بعد أن انطلقت منذ سنتين اثنتين خلتا، حيث عبّر ملك البلاد جرّاء ذلك عن القلق، والضّيق، والاستياء، والغضب، والانزعاج الذي اعتراه من جرّاء تأخّر، وتعثّر هذه الأعمال حرصاً منه على تحقيق هذا المشروع الطموح، والرقيّ به، لتستعيد هذه المنطقة مكانتها في الإشعاع والازدهار المنشودين في مجالات الصحّة، وقطاعات القضاء، والتربية والتعليم، ولخلق مناصب الشغل، وإصلاح إشكالية الصيد البحري، وسواها من المشاريع التي تأخّرت وتماطلت في الإنجاز.

وبادر إلى الحوار الجادّ البنّاء، وترجيح العقل، والحِكمة لرأب هموم هؤلاء الشباب، وجبر خاطرهم، والحثّ على اجتثاث شأفة العطالة، وبتر آفة البطالة المتفشّية بينهم، ومن ثمّ جاءت الإجراءات التي اتخذها مؤخّراً في حقّ هؤلاء المسؤولين الذين لم يصونوا الوعود، ولم يحترموا المواثيق والعهود بعد أن تأكّد له وللملأ محتويات التقارير التي تؤكّد الاختلالات التي سجّلت في هذا القبيل من تعثّرٍ، وتأخّرٍ، وتقهقرٍ في انطلاق مشاريع التنمية الاجتماعية، والاقتصادية، والصحيّة، والثقافيّة، والتعليمية، والتربويّة، والبشريّة وسواها.

وأخيراً وليس آخراً انشرحت الصّدور، بعد صدور البلاغٍ الملكي الصريحٍ، الذي سجّل عدم تنفيذ واستكمال المشاريع التي يتضمّنها البرنامج التنموي الكبير في الآجال المحدّدة لها، بعد انطلاق التحقيقات في كلّ من المفتشية العامة للإدارة الترابية بوزارة الداخلية، والمفتشية العامة للمالية، بالأبحاث والتحريّات اللاّزمة الدقيقة لتقصّي أسباب ودواعي عدم تنفيذ المشاريع المُبرمجة، وتحديد المسؤوليات بخصوص التأخّرات، والتعثّرات، والمماطلات التي حدثت بشأنها.

صوت سوس : محمّد محمّد خطّابي / عضو الأكاديمية الإسبانية – الأمريكية للآداب والعلوم – بوغوطا- كولومبيا

المصدر - Array
صوت سوس