http://sawtsouss.com/wp-content/uploads/2018/01/gold-star2.gif

حديث الجمعة الحلقة : (136) دروس وعبر من هجرة سيد البشر .

2017 09 21
2017 09 21
Array

بسم الله الرحمن الرحيم حديث الجمعة: الحلقة: (136) الحمد لله رب العالمين المنفرد بالبقاء، والحاكم على خلقه بالزوال والفناء، لا إله إلا هو رب الأرض والسماء، نحمده على ما تفضل به على عباده من عطاء، ونستغفره من كل ما صدر منا من ذنوب وأخطاء، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله العظيمُ الوفاء، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه المنتخبين لصحبته الأخيارِ الشرفاء، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم العرض واللقاء. أما بعد؛ فيقول الله -عز وجل- في محكم تنزيله: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40]. إخوة الإيمان والإسلام: إن الأمة الإسلامية ودعت عاما هجريا مضى، واستقبلت آخر جديدا أشرق أول أيامه اليوم الجمعة، وإن مما يربطه المسلمون بفاتح السنة الهجرية دوما ذكرى هجرة المصطفى –صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة دار الوفاء، هذه الهجرة التي كانت نورا لعهد مشرق جديد، وطريقا لإقامة حضارة إنسانية خالدة، ولقد أحسن سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لما ربط تاريخ الأمة الإسلامية بهذا الحدث العظيم؛ لتظل دروسه في حياتنا نستفيد منها وننهل من حكمها. وإن من أعظم الدروس أن يرسخ المسلم صلته بربه، فيزدادَ به تعلقا، وعليه توكلا، وله خشوعا وخضوعا، ويتعلمَ أن الله –سبحانه- غالب على أمره، وإذا أراد شيئا أمضاه، قال -تبارك وتعالى-: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21]. وذلك مأخوذ من حماية الله -عز وجل- لنبيه -صلى الله عليه وسلم- لما أجمعت قريش على قتله، وجندت لذلك فرسانها، وبذلت لأجله أموالها. {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 36]. ولما خَلَصَ المشركون إلى مكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في غار ثور، قال أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-: “لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا”. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- قولته المشهورة: “يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟” والحديث عند أحمد في المسند. فلقد كانوا في معية الله تعالى، خرجوا بأمره، وتوكلوا عليه، فكان الله -عز وجل- معهم يؤيدهم بلطفه، ويرعاهم بعنايته، فمن توكل على الله كفاه، ومن استهداه هداه، فالتوكل على الله حصن حصين من البلاء، وهو باب النجاة عند انقطاع الرجاء. أخي القارئ الكريم: إن دروس الهجرة النبوية كثيرة لا تنقضي، وعديدة لا تنتهي، منها حسن الإعداد، وبذل الأسباب لتحقيق المراد، فلقد اختار رسول الله -صلى الله عليه وسلم -المدينة موضعا لهجرته، وانتقى الزمان والمكان لرحلته، وهيأ الزاد واختار الصاحب لرفقته، وأعد للأمر قبل ذلك عدته، بأن أرسل إلى المدينة مصعب بن عمير رضي الله عنه، وكان رجلا حكيما يدعو إلى الإسلام، ويحسن التعامل، ويجيد العظة، امتلك قلوب الناس بأوجز العبارات، وأذعنوا له بأبلغ الكلمات، فلم يعنف ولم يهدد، بل كان رفيقا في تعامله ودعوته، فأسفر لهم عن وجه الإسلام المشرق، وبين لهم سماحته ورحمته، وعدله وحكمته، فآمنوا بهذا الدين الحنيف، حتى ملأ الإيمان قلوبهم، وتعلقت بالإسلام أرواحهم، فما من بيت في المدينة إلا دخله الإسلام خلال عام، وكل ذلك من ثمرات الكلمة الطيبة والدعوة الحكيمة؛ استجابة لنداء القرآن الكريم، في قول الله -عز وجل-: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]. وهكذا يجب أن يكون المسلم واجهة مشرقة ومشرفة لدينه وبلده، محسنا إلى الناس كلهم، موقرا كبيرهم، ورحيما بصغيرهم، ومجلا ومقدرا ذا المنزلة فيهم. ومن دروس الهجرة: اتخاذ الصديق الناصح، فإن الصاحب زاد لصاحبه في السراء والضراء، ولقد اختار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أصحابه خير الأصحاب وأحبهم إليه، إنه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فكان نعم الصاحب الوفي، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخصه بالذكر فيقول: «إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي مَالِهِ وَصُحْبَتِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ، لَا تُبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ» [رواه البخاري]. فلنختر -أخي الكريم- لأنفسنا من الأصحاب من يسرنا ذكرهم، وينفعنا عملهم، ولنحذر أصحاب السوء، فما ضل كثير من الناس إلا بسوء اختيار الأصحاب. قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالجَلِيسِ السَّوْءِ، كَمَثَلِ صَاحِبِ المِسْكِ وَكِيرِ الحَدَّادِ، لاَ يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ المِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ، أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ، وَكِيرُ الحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ، أَوْ ثَوْبَكَ، أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً» رواه الشيخان. نسأل الله –تعالى- أن يوفقنا للعمل بهذه الدروس والعبر، المستخلصة من سيرة خير البشر، وأن يجعلنا على هدي نبينا سائرين، وفي أعمالنا لله مخلصين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، آمين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل

المصدر - Array
صوت سوس