حديث الجمعة الحلقة : (135) واجبنا نحو أبنائنا .

2017 09 14
2017 09 14
Array

بسم الله الرحمن الرحيم حديث الجمعة: الحلقة: (135) واجبنا نحو أبنائنا الحمد لله رب العالمين، دائم العطاء ومسبغ النعم، ودافع البلايا والنقم، نحمده على ما تفضل به على عباده وتكرم، ونستغفره من كل ما صدر منا مما هو به أعلم، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد؛ فقد تحدثنا في الحلقة الماضية عن موضوع فضل العلم والتعلم، بمناسبة الدخول المدرسي لهذا العام، وانطلقنا من قول الحبيب المصطفى –صلى الله عليه وسلم-: “… وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ…”[رواه مسلم]. واليوم نتحدث عن موضوع آخر لا يقل أهمية عن سابقه، وهو مقترن في الذكر به، إنه موضوع التربية، وواجبنا نحو أبنائنا وبناتنا، فهم ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، وفلذات أكبادنا، وأحشاء أفئدتنا، وزينة حياتنا، وهم هبة الله لنا، قال تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [الشورى: 49، 50]. فمن أعظم المنح الإلهية، والعطايا الربانية على الإنسان بعد نعمة الإسلام نعمة الأولاد، سيما إن كانوا صالحين؛ إذ بهم ينتفع العبد في حياته وبعد مماته، قال –صلى الله عليه وسلم-: “إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ” [أخرجه مسلم]. فلنعمل جميعا على تربيتهم وتنشئتهم وتوجيههم، ولنحذر التفريط في تربيتهم، أو التخلي عن المسؤولية تجاههم، فذاك من الغدر والخيانة المحذر منه في قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 27، 28]. فارعوا –حفظكم الله- أبناءكم، وأدوا أماناتكم نحوهم، وانصحوا لهم، فكلٌ مسؤول عن رعيته، فأبناؤنا عماد الأمة وعزها المجيد، ومجدها التليد، وحصنها الحصين، ودرعها المتين، هم سبب الفتوحات، وأساس الانتصارات، ومن قرأ التاريخ الإسلامي وتصفح كتب السير والمغازي، رأى العجب العجاب، من صنيع أبنائنا وبناتنا الشباب، كانوا حماة لأوطانهم، مدافعين عن أعراضهم، متبعين لسنة نبيهم، متمسكين بدينهم. وذلك لعمري هو الشباب المسلم الذي تلقى التربية الإسلامية من قِبَلِ والديه، ولم يتركوا له الحبل على الغارب، بل جدوا واجتهدوا في التربية والتعليم، لكن لما تركنا أبناءنا وتخلينا عن تربيتهم صاروا عرضة للضياع وللذئاب البشرية التي تنفث فيهم سمومها، تبتليهم بالمخدرات والسموم القاتلة، انظروا إلى الشباب والشابات عبر الشوارع والطرقات، تأملوا تلكم الموضات وأنواع الحلاقات، أشكال غريبة، وهيئات مريبة، شباب تائه حائر، تصدر منه تصرفات طائشة، وإزهاق للأرواح البريئة، وإذا حل الليل واحلولك الظلام أتوا البيوت من ظهورها، والسيارات من زجاجها، والمحلات بعد تكسيرها، يا سبحان الله، كأننا لا أمن ولا أمان، تصرفات غوغاء، وأعمال هوجاء، ونتائج شنعاء، فأين المسؤولية وأين الأمانة. قال رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ” [متفق عليه]. أيها الأب أيتها الأم: لقد تفاقم الوضع، وتعاظم الأمر، وتطاير الشرر، عندما تخلى الآباء عن مسؤولية التربية الصحيحة، وأهملوا الإلمام بأسس العناية السليمة، فليست التربية عنفا كلها، ولا رخوا جلها، بل شدة في غير عنف، ولين في غير ضعف، هكذا التربية. أما أن يعتقد أب أو أم أن التربية تكبيل بالسلاسل، وضرب بالحديد والمناشير، وسجن في غرفة مظلمة، فليس ذلك بمطلوب ولا مرغوب، ولم تأت به شريعة الإسلام، بل الإسلام دين الرحمة والرأفة، لاسيما الرحمة ببني الإنسان. قال ابن القيم -رحمه الله-: “فَمن أهمل تَعْلِيم وَلَده مَا يَنْفَعهُ وَتَركه سدى فقد أَسَاءَ إِلَيْهِ غَايَة الْإِسَاءَة، وَأكْثر الْأَوْلَاد إِنَّمَا جَاءَ فسادهم من قبل الْآبَاء وإهمالهم لَهُم، وَتركِ تعليمهم فَرَائضَ الدّين وسننه، فأضاعوهم صغَارًا، فَلم ينتفعوا بِأَنْفسِهِم وَلم ينفعوا آبَاءَهُم كبارًا، كَمَا عَاتب بَعضهم وَلَده على العقوق فَقَالَ يَا أَبَت إِنَّك عققتني صَغِيرا، فعققتك كَبِيرا، وأضعتني وليدا، فأضعتك شَيخا”. [تحفة المودود بأحكام المولود (ص: 229)]. نسأل الله –تعالى- أن يوفقنا إلى تربية أبنائنا وتعليمهم التعليم النافع، وأن يوفق معلمينا المخلصين، وأن يجزيهم عنا كل خير، وأن يفتح عليهم من خزائنه التي لا عد لها ولا حصر، إنه ولي ذلك والقادر عليه، آمين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل

المصدر - Array
صوت سوس