http://sawtsouss.com/wp-content/uploads/2018/01/gold-star2.gif

تلاميذ يتسابقون لكسب لقمة العيش تحت لهيب أشعة الشمس

2017 07 29
2017 07 29
Array

الطريق الوطنية رقم 1 الرابطة بين تزنيت وأكادير، ليس فقط مسلكا طرقيا لمرور آلاف العربات والشاحنات بشكل يومي، بل إن جنباتها تُستغل من طرف عدد من الأشخاص من مختلف الشرائح العمرية في ممارسة أنشطة تجارية مرتبطة بفترة الصيف، بل تفرضها نوع البضاعة المعروضة، التي لا تصبح ناضجة وقابلة للاستهلاك إلا خلال هذه الفترة من السنة.

غير بعيد من قنطرة وادي ماسة، تتراءى للعابرين بالطريق الوطنية الوحيدة المؤدية إلى جنوب المغرب أكواخ ممتلئة عن آخرها بأنواع مختلفة من البطيخ، ومنها “الدلاح”، الذي يقول عنه المزارعون المحليون إنه “إنتاج محلي” بامتياز، من الحقول البورية لعدة قبائل كإرسموكن وآيت أومريبط وإزيكا وغيرها، متميّزا عن غيره بكونه بيولوجيا، لم تُستعمل أية مواد كيماوية في دورة إنتاجه، مما يجعل المستهلكين يُقبلون على اقتنائه.

وفي اشتوكة آيت باها، فالطريق سالفة الذكر تُعدّ مقصدا لعدد من تلاميذ المؤسسات التعليمية، بعد أشهر من الدراسة، من أجل ممارسة تجارة فاكهة “الكرموس” أو “الهندية”، كفرصة عمل حُرّ وموسمي لكسب بعض المال لمواجهة متطلبات ومستلزمات الدراسة، وتجدهم يتفنّنون في ترتيب بضاعتهم في أشكال مختلفة لإثارة إعجاب العابرين للطريق، وبعضهم تُشاهده يلوح باليدين بغية اقتناص فرصة توقف زبون لإقناعه بـطراوة الفاكهة، وبالتالي ضمان بعض من الدريهمات.

من مختلف المستويات التعليمية، يستغلون فرصة العطلة المدرسية الصيفية لأجل الشروع في تنزيل “مشروع” بيع هذه الفاكهة بجانبي الطريق، التي تشهد حركة سير مكثفة خلال هذه الفترة من السنة، غير أن كل الذين التقتهم الجريدة من هؤلاء التلاميذ وراءهم قصص اجتماعية تختلف من أسرة إلى أخرى، لكن الخيط الناظم بينهم يكمن في واقع الفقر وقلة ذات اليد لدى الأسر، ما دفعهم إلى امتهان هذه الحرف الموسمية، فيواصلون بذلك أيامهم الدراسية بـأيام العمل في العطلة الدراسية.

سعيد الوافي، تلميذ بالسلك الإعدادي في الجماعة الترابية “سيدي بيبي”، تحدّث للجريدة قائلا: “منذ سنوات وأنا مواظب على بيع فاكهة الهندية بهذا المكان. ظروف أسرتي المادية أرغمتني على امتهان هذه الحرفة كل موسم صيف، ومن دون ذلك لن أتمكّن من إتمام دراستي وتوفير بعض المتطلبات المعيشية اليومية من مأكل وملبس، لاسيما وأن أبي توفي وأنا أبلغ من العمر ثلاث سنوات، فعشعش الفقر بين أفراد أسرتي، أصبح معه لزاما الخروج، رغم أن الأمر ليس باليسير، لتدبر بعض المصاريف الضرورية”.

ولتوفير المنتوج بالجودة والكمية المطلوبتين، فإن هؤلاء التلاميذ ينخرطون في رحلات بحث بالدواوير المجاورة لمركز سيدي بيبي، كتدّارت وإحشاش وغيرهما، منذ الساعات الأولى من الصباح؛ إذ “تشتدّ المنافسة في رحلات البحث هذه لأجل الظفر بكميات وافرة من الفاكهة على جنبات المسالك الفرعية بتلك المداشر”، يقول سعيد الوافي، الذي أضاف أن إدخال شريك في العملية إلزامي تفرضه طبيعة العمل الذي يقتضي عمليات متعددة، كالبحث والجني والتنقية والنقل والعرض والبيع، وهي مهام من الصعب إتمامها من طرف فرد واحد.

حال سعيد لا يختلف كثيرا عن مروان أتنان، تلميذ بالمرحلة الابتدائية، الذي يرى في عطلة الصيف مناسبة سانحة ليس من أجل الاستجمام والترويح عن النفس، بعد سنة دراسية ملؤها الجد والاجتهاد، بل فرصة لـ”تنمية” موارد أسرته على محدوديتها، ويختلف مروان عن باقي التلاميذ بانخراط والدته معه في كل المراحل سالفة الذكر، “وفي الأخير تحضر معي إلى الطريق، ونستظل بظل شجرة قريبة من مكان العرض، إلى أن يظهر راغب في الفاكهة، فنتفاوض على الثمن، وتحاول أمي كسب ثقته لأجل الاقتناء، كما أنها من تُحضر بعض الأكل لتناوله هنا طيلة اليوم وإلى مغرب الشمس”.

والدة مروان تحكي، وعلامات الحسرة بادية على مُحياها، قائلة إن زوجها طريح الفراش، قد أنهكه المرض، وأضحت حائرة في سبل ضمان لقمة العيش لأبنائها الأربعة، “ورغم وضعي الصحي كذلك، فإني أساعد ابني مروان في الجني وغيره، ونحاول استغلال هذا الموسم لتوفير بعض المستلزمات الدوائية وغير ذلك، وإن كان الأمر صعبا، وفي ظل كثرة التلاميذ وغير التلاميذ ممن يعرضون الفاكهة نفسها على طول هذه الطريق، وبالتالي اشتداد المنافسة وضعف المدخول”.

أما محمد، وهو شاب قصدناه في جولتنا بالمنطقة، فأخبرنا بأنه غادر أسوار المدرسة منذ مدة، وأنه منذ ست سنوات وهو بالمكان ذاته، كل عطلة صيف، وقال: “أشركت معي صديق في هذه التجارة لامتلاكه دراجة نارية ثلاثية العجلات، يتكلف بالجني والنقل، أما أنا فمهمتي البيع”، وأشار إلى أنهما يكسبان نحو 120 درهما من هذه التجارة، واصفا الرواج بالمحدود، وأضاف: “الحمد لله على كل حال، رغم اضطرارنا للمكوث تحت أشعة الشمس ساعات طوال، إلا أن ذلك أفضل بكثير من الانحراف والخوض في تجارب الشارع البئيسة من سرقة ومخدرات وغيرها من المعضلات”.

أعينهم تترصد مختلف العربات العابرة للطريق الوطنية رقم 1 علّ واحدة منها تتوقف، أو تستجيب لإشارة هؤلاء التلاميذ وهم الذين أرغمهم شظف العيش وعدم قدرتهم على ممارسة مهن أخرى، من الناحية الجسمانية والقانونية، للارتماء في جنبات الطرقات الوطنية مُرغمين، همّهم الوحيد أن تنال “سلعتهم” رضا الزبون، فيضمنون بذلك مصروفا يوميا لأسرهم، أو لتسديد فاتورات الكتب والمستلزمات المدرسية، بعد شهر من الآن، وهي الحكاية التي ما فتئت تُعيد نفسها مع كل موسم صيف وعطلة.

صوت سوس : رشيد بيجيكن

المصدر - Array
صوت سوس