الهدر المدرسي يعمّق جراح المدرسة المغربية .. الواقع والحلول

2017 07 15
2017 07 15
Array

عمّق آخر تقرير للمجلس الأعلى للحسابات من جراح المدرسة المغربية، بكشفه عن أرقام صادمة بخصوص واقع النظام التعليمي برمته، وعلى رأسها استمرار ظاهرة الهدر المدرسي بشكل مقلق، بالرغم من البرامج الكثيرة والإستراتيجيات التي سعت، طيلة السنوات والعقود الأخيرة، إلى وضع حد لضعف النظام التعليمي المغربي وإخراجه من عنق الزجاجة.

استمرار الفوارق الكبرى بين العالمين القروي والحضري في ما يتعلق بالتعليم واحدة من أبرز الملاحظات التي صدرت عن آخر تقرير للمجلس المذكور، الذي يترأسه إدريس جطو، الوزير الأول الأسبق، بحيث أظهرت الأرقام أن 41 ألفا و915 تلميذا بالسلك الابتدائي تركوا مقاعد الدراسة خلال السنة الدراسية الماضية في المجال القروي، مقابل 20 ألفا و561 تلميذا ينحدرون من العالم الحضري.

وفي السلك الإعدادي، انقطع عن الدراسة في المدة نفسها ما مجموعه 58 ألفا و33 تلميذا ينتمون إلى العالم القروي، مقابل 53 ألفا و253 تلميذا في العالم الحضري، فيما تتراجع النسبة نفسها بالنسبة إلى تلاميذ القرى بالسلك الثانوي إلى 8 آلاف و452 منقطعا عن الدراسة، وترتفع في صفوف زملائهم في الحواضر إلى 35 ألفا و927 تلميذا.

وتعني هذه الأرقام أن 218 ألفا و141 تلميذا تركوا مقاعد الدراسة خلال السنة الدراسية الماضية، أي ما يعادل أزيد من 3 في المائة من إجمالي التلاميذ المسجلين برسم السنة الدراسية المذكورة.

تقرير جطو لم يقف عند هذا الحد، بل ساق عددا من المؤشرات التي لها ارتباط بارتفاع نسبة الهدر المدرسي، وخاصة في المناطق القروية، وعلى رأسها “عدم توفر 566 إعدادية بالوسط القروي على داخليات، بالرغم من تضمن ميثاق التربية والتكوين على بند ينص على حرص “كل مدرسة إعدادية تستقبل التلاميذ من الوسط القروي على توفير داخلية تستوفي كل شروط الصحة والراحة والمراجعة”، إلى جانب تجاوز الطاقة الاستيعابية بالنسبة إلـى 212 داخلية.

وتفيد الأرقام ذاتها بأن نسب تجاوز الطاقة الاستيعابية لبعض المؤسسات الداخلية تجاوز الضعف؛ وهو ما يدفع مسؤوليها إلى استقبال التلاميذ في القاعات المخصصة للمراجعة والاجتماعات والمكتبات، غير أن الغريب في الأمر هو عدم استغلال مرافق بعض المؤسسات الداخلية إلا بنسبة 4 في المائة، من بين 246 داخلية تعاني من ضعف في استغال طاقتها الإيوائية.

من أهم الاختلالات المسجلة أيضا على هذا المستوى عدم توفر أماكن مخصصة للمطاعم المدرسية بـ7 آلاف و23 مؤسسة تعليمية، ويتم توزيع الوجبات داخلها “في الهواء الطلق أو داخل الحجرات الدراسية لفائدة 457 ألف تلميذ، إلى جانب عدم صرف المساعدات المالية المخصصة للعائلات المعوزة المستفيدة من برنامج “تيسير” منذ بداية الموسم الدراسي 2014/2015، إضافة إلى “التأخر في توزيع اللوازم المدرسية على المستفيدين من مبادرة مليون محفظة”؛ وهو التأخير الذي وصل إلى مدة شهرين في بعض المؤسسات التعليمية.

الهدر المدرسي المستمر كظاهرة تؤرق المسؤولين المغاربة يعزوها رشيد أوراز، الباحث بالمركز العالمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية، إلى الوضعية المتردية للمدرسة المغربية بشكل عام، مبرزا بهذا الخصوص أن هذه الأخيرة “تشكل سجنا بالنسبة إلى التلميذ المغربي من الناحية النفسية”.

وأضاف أوراز، في تصريح خص به الجريدة، أن “التلميذ المغربي يعادي المدرسة بدل أن يحبها”، مشيرا في المقابل إلى وجود أسباب ثانوية أخرى عديدة، أجملها في “الهشاشة الاجتماعية، واضطرار بعض الأسر لدفع أبنائها إلى ترك مقاعد الدراسة من أجل العمل، إضافة إلى “وجود صعوبات لولوج المدرسة بالنسبة إلى أسر أخرى، على اعتبار أن هذا الأمر يتطلب مصاريف إضافية”.

المشكل الهيكلي الأبرز الذي يدفع آلاف التلاميذ إلى ترك مقاعد الدراسة بشكل سنوي يعود بشكل أساس إلـى “ضعف المؤسسات السياسية والاقتصادية الوطنية”. ويعني ذلك، بحسبه، “انعدام روح الاستثمار في المستقبل لدى المواطن المغربي المنبعثة من فقدان الثقة لدى هذا المواطن بسبب المناخ العام”، قبل أن يضيف بالقول: “انعدام الاستثمار في المستقبل يؤدي إلى تراجع استثماره في رأسماله البشري، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى تحول التعليم بالنسبة إلى الأسر المغربية إلى مسألة ثانوية”.

ودعا المهتم بمجال التربية والتعليم إلى تنزيل المشروع الذي جاء به المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، وعدم الاكتفاء بالنقاشات “الموسمية” التي يثيرها بشأن المدرسة المغربية، مقابل “تحقيق إصلاحات سياسية واقتصادية تعيد الأمل إلى المواطن المغربي حتى يتحول إلى مستثمر في مستقبله ومستقبل أبنائه العلمي والمعرفي”.

ولفت المتحدث الانتباه إلى أن إصلاح الوضعية الاقتصادية وتوفير مناخ مناسب للأعمال وتشجيع التنافسية، وإقرار سياسات مهمة لتشجيع الاستثمار، أمور من شأنها المساهمة في إرساء نظام تعليمي منتج يحقق الأهداف المنوطة به؛ “لأن الطلب على التعليم سيرتفع حينها، ومن جهة أخرى، ستصبح فرص الشغل متوفرة بكثرة”، على حد تعبيره.

وزاد أوراز أن المشاكل التي تتخبط فيها المدرسة المغربية تتطلب تدخل كافة الفاعلين المرتبطين بالشؤون المدرسية، من جمعيات للمجتمع المدني وأولياء وآباء التلاميذ؛ فعلى الجميع، حسب الباحث نفسه، الانخراط في نقاش شامل لانتشال المدرسة مما تعاني منه من مشاكل حقيقية.

صوت سوس : المهدي هنان

المصدر - Array
صوت سوس

%d مدونون معجبون بهذه: