الفنان بين وظيفته التنويرية وخدمة السلطة

2017 07 15
2017 07 15
Array

ألقى جان بول سارتر الفيلسوف الفرنسي الوجودي محاضرة في القاهرة يعود تاريخها إلى سنة 1967م بعنوان “دور المثقفين في المجتمع المعاصر”، ميز فيها بين رجال المعرفة، أصحاب وظيفة التلقين والطاعة حتى لو استحيوا حرماتِهم، ووصفهم “بكلاب الحراسة”، وهو يقصد بذلك حراسة الحاكم وهذا وصف في تقديري يليق بهم، هذه الوظيفة التي لا تختلف عن الدور الذي يقوم به شرذمة من المغاربة، الذين هيأت لهم الدولة الطريق إلى الحسيمة لِيُخْمِدُوا لهيب الاحتجاج وينكصوا الناس عن المطالبة بحقوقهم. المُنْتَظَرُ من كل فنان أن يبدع أشياءً جديدةً تعبر عن معاناة المعتقلين والناس أجمعين، وتطالب بالإفراج عن المختطفين المسجونين المعذبين، وتطالب بالاستجابة الفورية لمطالب الساكنة، لا أن يقتاتوا على آلام الناس وجراح البائسات اليائسات. وبين الرجل المثقف الذي لا تنظر له النخبة الحاكمة بارتياح لما له من دور في الحياة السياسية، إذ يقوم بالنقد البناء، وإقامة الحكم على مُثُل الكرامة، والعدالة الاجتماعية، والحرية، وأسند إليه صفة الضوضاء، إذ عليه أن يخلق جلوة للنخبة الحاكمة. كانت هذه أبرز الأفكار التي وقف عندها جان بول سارتر في محاضرته. وأضيف صنفا ثالثا هو الفنان الذي له دور فعال في المجتمع وتأثير عميق في نفوس الناس؛ لأنه ينقل الحقائق بطريقة مغايرة ومختلفة، فالفنان يتميز عن الإنسان العادي بعين ثانية خلقت من الإبداع والتجديد والجمال والخيال، فأبو الطيب المتنبي عندما أراد أن يعبر عن عظم قدره، وعلو مكانته العلمية والمعرفية لم يقل أنا أفضل الناس؛ بل عبر عن هذه الحقيقة بطريقة بديعة مِلْؤها الخيال الذي هو صِنْو كل فنان حيث قال: ما أَبْعَدَ العيبَ والنقصانَ من شرفي /// أنا الثريا وذان الشيب والهرم وقال: أنام مِلْء جفوني عن شواردها /// ويسهر الخلق جَرَّاها ويختصم بهذا العمل الفني أحدث تأثيرا في المتلقي الذي هو فرد من المجتمع، وبذلك قد أدى رسالة معينة فيها حس جمالي وبعد إيحائي، هذا التأثير الذي ترويه كتب السميائيات والتاريخ، إذ تقول: إن إمبراطورا صينيا طلب من كبير الرسامين في القصر أن يمحو صورة الشلال المرسومة على الجدار لأن هدير المياه كان يمنعه من النوم. هذا هو الدور الذي تحدث عنه سَارْتَر. رسام بعمله الفني منع الحاكم من النوم، ماذا إذا لجأ هذا الفنان إلى التعبير عن هموم المستضعفين، وتَخَنْدَقَ في خندقهم، وكان لسان حالهم.؟ الفنان المبدع هو الذي يحدث تأثيرا إيجابيا في المجتمع، عذرا، إيمانويل كانط هنا تبددت فكرة الفن للفن. الفنان المبدع هو الذي يقف في جانب المظلومين، سواء كان مغنيا أو رساما أو شاعرا… الفنان المبدع له رسالة، عذرا هايدجر فالفن وسيلة اتصال وتأثير وتأثر بين الفنان والمجتمع، ووسيلة الانعتاق من العبودية والتبعية، ومعانقة الحرية، والفن صوت الشعب ونبضه، ودمه الذي يسري فيه، فالشعب الذي ليس له فنانون كالجسد بلا روح، وروح الشعب الوعي، والفنان الرسالي هو الذي يصنع الوعي ويخلقه، ويساهم في تكوين وعي الإنسان والإنسانية جمعاء، ويستشعر حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، حتى يكون الفن مرآةً للمجتمع. هذه المعاني افتقدتها النخبة التي أُرسلت إلى الحسيمة لغرض سياسي يعلم الجبن والخضوع والخنوع والانحناء، ومن تم فالفن بريء منهم براءة الذئب من دم يوسف.

صوت سوس : يوسف ادريدك

المصدر - Array
صوت سوس

%d مدونون معجبون بهذه: