حديث الجمعة الحلقة : (126) الحياة الطيبة

2017 07 07
2017 07 07
Array

الحمد لله رب العالمين، جعل السعادة لمن أطاعه واتبع هداه، وجعل الشقاوة لمن عصاه وخالف أمره، سبحانه له الحمد في الأولى والآخرة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبوة والرسالة، وعلى آله وصحبه وكل من انتمى له، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. أما بعد قراءنا الأعزاء: عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِه، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِها» رواه البيهقي في شعب الإيمان، وقال: هَذَا أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي غَيْرِ الْجَامِع. عزاءنا القراء: لا ينبغي أن نظن أن الحياة الطيبة مجرد التمتع بالشهوات، أو الإكثارُ من جمع حطام الدنيا وتشييد وبناء الدور وركوب السيارات الفارهات، بل الحياة الطيبة تكمن في راحة القلوب وطمأنينتها، والقناعة التامة بما يسر الله من أرزاق، الحياة الطيبة تكمن في سرور النفس بذكر الله، وانصباغها بمكارم الأخلاق، وانشراح الصدور وسعتها. لا حياة طيبة لغير الطائعين، ولا لذة حقيقية لغير الذاكرين، ولا راحة ولا طمأنينة قلب لغير المكتفين برزق الله القانعين، ولا نعيما صحيحا لغير أهل الخلق الجميل والمحسنين، فلو ذاق أرباب الدنيا ما ذقناه من حلاوة الطاعة، لغبطونا وزاحمونا عليه، ما ظننا بمن يمسي ويصبح ليس له هم سوى طاعة مولاه، ولا يخشى ولا يرجو ولا يتعلق بأحد سواه، إن أعطي شكر، وإن منع صبر، وإذا أذنب استغفر. هذا والله هو النعيم، فمن فاته فهو المغبون، وهذه هي الحياة الطيبة التي لمثلها فليعمل العاملون. 2 / 3 أي نعيم لمن قلبه يغلي بالخطايا والشهوات، وأي سرور لمن يتلهب فؤاده بحب الدنيا وهو ملآن من الحسرات، وأي راحة لمن فاته عيش القانعين، وأي حياة لمن تعلق قلبه بالمخلوقين، وأي عاقبة وفلاح لمن انقطع عن رب العالمين، أيها المسلمون والمسلمات: لقد أدى بالناس غياب الطمأنينة والراحة النفسية التي تنبع من الإيمان، أدى بهم ذلك إلى الانتحار، ولو كان هؤلاء يؤمنون بالله وبوعده للصابرين الصادقين بالفرج ما ارتكبوا تلك الجريمة النكراء في حق أنفسهم، وهم يعلمون قول الحق سبحانه: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29] وقول الرسول الكريم –صلى الله عليه وسلم-: “وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ” رواه البيهقي. لكن تقصيرنا كآباء وأمهات ومربين وخطباء ووعاظ ومعلمين في تربية الناشئة على الصبر وتفويض الأمر لخالق الأرض والسماوات، أدى بالبعض إلى ارتكاب تلك الموبقات المهلكات. أخي القاؤئ الكريم: يقول الله –تعالى-: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] فهذه الآية وعد من الله -عز وجل- لمن جمع بين الإيمان والعمل الصالح بالحياة الطيبة في هذه الدار، وبالأجر العظيم والثواب الجزيل في دار القرار، قال ابن كثير –رحمه الله-: هَذَا وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِمَنْ عَمِلَ صَالِحًا -وَهُوَ الْعَمَلُ الْمُتَابِعُ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنْ بَنِي آدَمَ، وَقَلْبُهُ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنَّ هَذَا الْعَمَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ مَشْرُوعٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ -بِأَنْ يُحْيِيَهُ اللَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً فِي الدُّنْيَا وَأَنْ يَجْزِيَهُ بِأَحْسَنِ مَا عَمِلَهُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. وَالْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ تَشْمَلُ وُجُوهَ الرَّاحَةِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ أَنَّهُمْ فَسَّرُوهَا بِالرِّزْقِ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ. وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ فَسَّرَهَا بِالْقَنَاعَةِ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وعِكْرِمة، وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا السَّعَادَةُ. 3 / 3 فاللهم ارزقنا إيمانا صادقا نسعى به لرضاك، ونرجوك به دون سواك، ونتعلق به بك في السراء والضراء، فإنك نعم المولى ونعم النصير، آمين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. صوت سوس  : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل

المصدر - Array
صوت سوس