عيون أعوان السلطة … أداة سياسية ومهام استخباراتية

2017 06 10
2017 06 10
Array

يعد المقدم مؤسسة قديمة في تاريخ الدولة بالمغرب، حيث ارتبطت بالأساس بالبنية الهرمية والتراتبية عبر تطورها التاريخي؛ فالمقدم كان دائما رتبة ضمن هرمية تنظيمية لمؤسسة كانت دينية، كمقدم الزاوية، أو إدارية كمقدم الدوار بالقرى أو مقدم الحومة بالحواضر والمدن. والمقدم يكون عادة من الأعيان، يتمتع بكل الصفات والخصال الحميدة بالإضافة إلى الجاه والثروة خاصة بالقرى؛ فقد كان يعتبر إلى جانب القياد من الشخصيات السياسية والإدارية المهمة التي تمثل السكان وتشرف على شؤونهم المحلية والجماعية. لكن مع بسط الحماية الاستعمارية على المغرب، وظفت سلطات الحماية القياد والشيوخ والمقدمين كآليات للتحكم في السكان من خلال إبلاغ الأوامر وتنفيذ التعليمات، ونقل كل ما يروج إلى السلطات الاستعمارية. ولعل هذا ما جعل سلطات الحماية في عملية عصرنتها للبنية السياسية والإدارية في البلاد تعتمد على هذه البنية المخزنية التقليدية في تسيير البلاد ومراقبة السكان. ومن ثم، لعب المقدم دورا أساسيا في إيصال المعلومات ونقل الأخبار، نظرا لانتمائه القبلي والعائلي إلى المنطقة نفسها التي يعين فيها، واطلاعه الدقيق على مختلف جزئيات الساكنة. ومن ثم، فقد تحول كأداة من أدوات نقل المعلومة والتجسس وإخبار السلطة المحلية بكل ما يدور في مجال نفوذه.

المقدم كأداة من أدوات الصراع السياسي

إن الصراع السياسي الذي احتدم بين سلطات الحماية وبين بعض مكونات الحركة الوطنية، والذي اتخذ طابعا دمويا بين الأجهزة الأمنية للاحتلال وبين خلايا المقاومة المسلحة، جعل هذه الأجهزة تلجأ إلى خدمات الشيوخ وخاصة المقدمين لجمع المعلومات والتجسس على المقاومين خاصة في المدن القديمة، التي كان يتكدس فيها ما كان يسمى بالأهالي، أو في القرى التي انطلق منها جيش التحرير.

وإدراكا من خلايا المقاومة لهذا الدور في التبليغ والوشاية، فقد انصبت بعض عملياتهم على تصفية مجموعة من المقدمين الذين كانوا ينعتون بالخونة، إذ يتذكر الكثيرون كيف جرت تصفية المقدم الملقب بلعور بالمدينة القديمة بالدار البيضاء من لدن بعض خلايا المقاومة المسلحة بهذه المدينة.

وبعيد الاستقلال، استمر الصراع بين بعض مكونات الحركة الوطنية التي لم تكن موافقة على الوضع السياسي، كالاتحاد الوطني للقوات الشعبية وبعض خلايا جيش التحرير وبعض قادة المقاومة المسلحة والإدارة الحديثة التي وضعها القصر للتحكم في البلاد، حيث جرى استخدام المقدمين إلى جانب الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، كأداة لجمع المعلومات الخام حول كل ما يروج من أحداث اجتماعية وسياسية وحتى شخصية في مجال نفوذهم.

المقدم كآلية استخباراتية

وفق مذكرة صادرة عن وزارة الداخلية في سنة1959، كلف كل مقدم على كل حي من الأحياء، أو في دوار من الدواوير بإبلاغ القايد، الذي يعدّ رئيسه المباشر، بمختلف ما يجري في مجال نفوذه من أحداث وحوادث تتصل بحياة وأنشطة السكان مستقيا معلوماته من شبكة عيون المدينة كبعض أصحاب الحوانيت والبقالة، وبوابي العمارات والمساكن، وحراس السيارات بمختلف الدروب والأزقة…

ليقوم القايد، اعتمادا على معلومات المقدمين، بتحرير تقرير يومي يطلق عليه اختصارا (البركي) يبعث إلى رئيس قسم الشؤون العامة في كل عمالة وإقليم، والذي يقوم بدوره بإرسال تقريره إلى وزارة الداخلية التي تقوم بدورها ببعث تقريرها إلى أعلى سلطة بالبلاد. بالإضافة إلى ذلك، فقد أصبحت الإدارة الترابية تعتمد، في بداية الثمانينيات من القرن الماضي التي شهدت تنامي الحركات الأصولية داخل المشهد السياسي بالمغرب، على جهاز المقدمين لإحصاء عدد المصلين في الجوامع والمساجد خاصة يوم الجمعة.

ونتيجة لذلك، يعتبر المقدم آلية أساسية من آليات تجميع المعلومات، والاطلاع على ما يجري بين الساكنة؛ فأي خلل يصيب هذا الجهاز إلا يؤثر على انسياب المعلومات وتجميعها من لدن السلطة المحلية والمركزية. وهكذا، يتم تداول مقولة شائعة بأنه إذا “عطس جهاز لمقدمين” أصيب شريان مخابرات الداخلية أي مديرية الشؤون العامة بـ”الزكام”.

ومن ثمّ، فإن الاعتماد على هذا الجهاز يجعل من الشبكة الاستخباراتية بالمغرب شبكة متميزة عن الأجهزة الاستخباراتية بالعديد من الدول الحديثة نظرا لاعتمادها على ثنائية استخباراتية فريدة من نوعها. فإلى جانب الأجهزة الاستخباراتية التي تعتمد على وسائل تكنولوجية للحصول على المعلومات وآليات عصرية وحديثة لتتبعها كالمديرية العامة للوثائق والمستندات التابعة (لادجيد)، والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني،، وجهاز الاستعلامات العامة المكلف بجمع المعلومات السياسية في المجال الحضري، تعتمد مديرية الشؤون العامة بوزارة الداخلية على مكاتب لها في كل ولاية أو عمالة أو باشوية أو قيادة أو مقاطعة في مختلف أنحاء المملكة التي تستقي معطياتها من المعلومات التي تلتقطها آذان وعيون المقدمين؛ وهو ما أضفى على الجهاز الاستخباراتي بالمغرب نجاعة أمنية أسهمت بشكل فعال في تفكيك العديد من الخلايا الإرهابية التي تهدد الوضع الأمني بالمملكة.

ولعل هذا ما دفع بالسلطة المركزية بالبلاد إلى الاهتمام بعقد بعض الدورات التدريبة للمقدمين لتحسين قدراتهم في مجال تصيد المعلومة ومتابعة الوضع المحلي والتدقيق في مراقبة مصارين وأحشاء المجتمع سواء في القرى أو في المدن.

مؤسسة المقدم بين العصرنة والتحديث

بالرغم من الدور السياسي والإداري الحساس الذي يلعبه المقدم، فإنه لا يتمتع بأي إطار قانوني واضح، إذ لا يدخل ضمن نظام الوظيفة العمومية ولا يتمتع بمختلف الضمانات المادية والإدارية التي يقرها قانون الوظيفة العمومية؛ فأجره المتواضع، بالرغم من بعض الزيادات الأخيرة التي طرأت عليه، ووضعه الوظيفي غير المقنن، ونظرة الريبة التي تحيط به من لدن مسؤوليه، وكذا الساكنة المحلية يجعله متأرجحا بين وضعية إدارية غير سليمة، ويضطره في غالب الأحيان إلى ابتزاز مواطنيه لقضاء بعض الأغراض الإدارية كشهادة السكنى، أو الحصول على رشاوى مقابل غض الطرف عن بعض البناءات غير المرخص لها؛ وهو ما أسهم في استفحال ظاهرة السكن العشوائي واتساع رقعة المدن الصفيحية التي ولدت ظواهر سياسية غير صحية من إجرام وتطرف وفساد.

وبالتالي، فمن الضروري في إطار إصلاح إداري حقيقي وتسيير عصري وفعال أن يتم إعادة النظر في الدور الإداري للمقدم، حيث يتم إما إلغاء هذا المنصب بشكل نهائي خاصة بالمدن نظرا للتطور الذي عرفته الإدارة الترابية بالبلاد وتوفرها على آليات لوجيستكية وتكنولوجية يمكن الاستغناء بها عن دور المقدم التقليدي والمتجاوز، أو العمل على تحديث منصب المقدم من خلال إدماجه ضمن نظام الوظيفة العمومية واعتباره موظفا كباقي الموظفين الذين يشملهم قانون الوظيفة العمومية، حيث يتم إخضاعه لشروط التباري الإداري، كضرورة الحصول على مستوى تعليمي معين، واتباعه للتسلسل الإداري، والتوفر على نظام للتأجير، في حين تحدد اختصاصاته ضمن اختصاصات الشرطة الإدارية كالتبليغ على بعض المخالفات المحلية، كرمي الأزبال والقمامات في الشوارع والأزقة، أو إزعاج السكان…، والتواصل مع جمعيات الدروب والأحياء إلى غير ذلك من الاختصاصات التي تتفاعل مع مجتمع مدني وعصري بدل الاقتصار على مهام التجسس والوشاية بأشكالها التقليدية والمخزنية.

كما يمكن، بهذا الصدد، أن يتم تطوير أقدم جهاز مخابراتي للمخزن ليتماشى مع مستجدات عصر “اليوتوب” و”الفايس بوك” و”التويتر…

وهكذا، يمكن أن يلجأ المقدم إلى هذه المواقع ليوظفها للقيام بمهامه، والاعتماد على هذه الوسائل التكنولوجية لإيصال المعلومات التي يمكن أن تستغل طبقا لخلفية مدنية مواطنية أو لخلفية أمنية ومخابراتية. فالاستخبار ليس عيبا، ولكن العيب حول من سيتم الاستخبار بشأنهم. وقد أظهرت أحداث الدار البيضاء لـ16 ماي 2016 أنه يمكن للمقدم أن يلعب دورا جوهريا في التبليغ عن حركات وتنظيمات إرهابية تهدد سلامة البلد محليا ووطنيا. وبالتالي، فإن المهم هو أن يتم تطوير مهمة المقدم لكي يصبح آلية من آليات تكوين مجتمع المواطنة والحداثة بدل أن يجمد في دور التجسس والوشاية و”البصاصة المخزنية”.

صوت سوس : محمد شقير

المصدر - Array
صوت سوس