اليوم الإثنين 27 فبراير 2017 - 2:09 صباحًا
أخر تحديث : الخميس 16 فبراير 2017 - 10:48 مساءً

حديث الجمعة / الحلقة 106 : (عوامل إصلاح القلوب [2])

حديث الجمعة
الحلقة: (106)

(عوامل إصلاح القلوب [2])

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده فضله، وأشهد أنه الله لا إله إلا هو وحد لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ومصطفاه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فقد عشنا في الحصة الماضية مع بعض عوامل إصلاح القلوب، وذكرنا منها المجاهدة، و كثرة ذكر الموت، وزيارة القبور، ومجالسة الصالحين، وتعلق القلب بالله، و الأعمال الصالحة، وقلنا يومها: وسنقف مع عوامل أخرى في ما يستقبل من حلقات، لهذا أحببت أن أتمم هذا الموضوع بذكر بقية أجزائه، التي نرجو الله –عز وجل- أن ينفعنا به، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
فالعامل السادس من عوامل إصلاح القلوب: أن نستعمله فيما خلق له، فالقلب خلق ليكون عبداً لله، خلق ليعمل أعمالاً جليلة هي الأعمال القلبية الصالحة، فإذا أُشْغِلَ القلبُ بغيرها تكدر وفسد، ولهذا ورد في الحديث: “إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم” [رواه مسلم].
وثبت عن الحسن البصري –رحمه الله- أنه كان يقول: “داو قلبك، فإن حاجة الله إلى عباده صلاح قلوبهم”.
العامل السابع من عوامل إصلاح القلوب الإكثار من ذكر الله -عز وجل- وقراءة القرآن، فالذكر للقلب بمنزلة الغذاء للجسم، فكما لا يجد الجسد لذة الطعام مع السقم، فكذلك القلب لا يجد حلاوة الذكر مع حب الدنيا، وفي القرآن الكريم: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28].
وقال الشاعر:
دواء قلبك خمسٌ عنـد قسوتـه *** فداوم عليها تفز بالخير والظفرِ
خـلاء بطـنٍ وقـرآنٌ تدبـره *** كذا تضـرع باكٍ ساعة السحـرِ
ثـم التهجد جنـح الليل أوسطه *** وأن تجالس أهـل الخير والخبـرِ
فالشاعر –رحمه الله- بين أن دواء القلب في خمسة أشياء، إذا داوم عليها العبد فاز بالخير وظفر.
أولها: أن لا يكثر من الطعام؛ لأن الشبع يجر إلى الشهوات والمعاصي، ولذلك كان الصيام من أفضل الأعمال، يضعف شهوة النفس، ويبعد وسوسة الشيطان؛ ولذلك أوصى به النبي –صلى الله عليه وسلم- الشباب فقال: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» [رواه البخاري ومسلم].
وكذلك قراءة القرآن الكريم مع تدبره تفيد القلب وتعالجه، قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29] وقال سبحانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2].
ومما يداوي القلوب، البكاء على الملك علام الغيوب، في الساعات المتأخرة من الليل وقت السحور، وقد أثنى الله -عز وجل- ثناء حسنا على من يفعل ذلك ووعدهم عليه بالجزاء العظيم يوم النشور، قال -تعالى-: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 16-17].
وقال سبحانه: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُون} [الذاريات: 15 18].
فهم يتضرعون إلى ربهم وقت السحر الذي تكون فيه الدعوات مستجابة، مصداقا لقول نبينا الكريم -صلى الله عليه وسلم-: “يَنْزِلُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟”. [رواه البخاري ومسلم].
ومع البكاء يكون التهجد، وهو صلاة ما تيسر من آخر الليل قبل الفجر، وكان النبي –صلى الله عليه وسلم- مداوما على إحدى عشرة ركعة لا يزيد عليها ولا ينقص، وحسبنا سُنَّتَهُ عليه السلام، قالت أم المؤمنين عائشة –رضي الله عنها- وقد سألوها عن كيفية صلاة رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “كَانَ لَا يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّي أَرْبَعًا لَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصلِّي أَرْبَعًا لَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصِلِّي ثَلَاثًا قَالَتْ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ قَالَ: إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي”.
فاللهم إنا نسألك قلوباً حية عامرة بالإيمان، ونعوذ بك من موت القلوب، ومن الكفر والفسوق والعصيان، ونعوذ بك من الهوى والطغيان، ونسألك الخشية والإنابة والخضوع بين يديك، وارزقنا التواضع والسكينة، وحبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، واجعلنا من الراشدين آمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وكتبه: الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

ان جريدة صوت سوس الالكترونية تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة صوت سوس الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: ان جريدة صوت سوس الالكترونية تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا تسمح جريدة صوت سوس الالكترونية بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.
%d مدونون معجبون بهذه: