اليوم الخميس 27 أبريل 2017 - 2:03 مساءً
أخر تحديث : الخميس 9 فبراير 2017 - 10:21 مساءً

حديث الجمعة / الحلقة 105 : عوامل إصلاح القلوب

حديث الجمعة
الحلقة: (105)

(عوامل إصلاح القلوب)

الحمد لله رب العالمين، القائل في محكم تنزيله وهو أصدق القائلين: }فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور{ [سورة الحج [46]. نحمده –عز وجل- حمد من شرح الله صدره للإسلام، ونشكره على ما أفاض علينا من إنعام، ونصلي ونسلم على سيد محمد أكرم الأنام، وعلى آله وصحبه الأئمة الأعلام، والتابعين لهم بإحسان على الدوام، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فقد عشنا في الحصة الماضية مع القلب ملك الأعضاء في جسد الإنسان، وبينا أن صلاح العبد أو فساده نابعان من القلب، فإذا أصلح العبد قلبه صَلَحَت جوارحه، وإذا تركه يهيم في فساد فسدت الجوارح وخاب صاحبها وخسر، فصلاحُ حركاتِ العبدِ بجوارحه، واجتنابه للمحرَّمات، واتَّقاءه للشُّبهات، وإنْ كان القلبُ فاسداً، قدِ استولى عليه اتِّباعُ الهىه، وطلب ما يحبُّ صاحبه، ولو كرهه الله، فسدت حركاتُ الجوارح كلها، وانبعثت إلى كلِّ المعاصي والمشتبهات، بحسب اتِّباع هوى القلب. كما قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله.
واليوم –بعون وتوفيق من الله عز وجل- نتحدث عن أسس ومنطلقات وعوامل إصلاح القلوب؛ لأن القلوب هي محل نظر الله –عز وجل- من الإنسان، قال خير ولد عدنان، سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام: “إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم” [رواه مسلم].
فمحل نظر الله – عز وجل – هو قلب العبد، فإذا صلح قلبه صلحت أعماله، وكان مقبولاً عند الله عز وجل، وإذا كان القلب فاسداً، فسد عمله ورد عليه.
أخي القارئ الكريم: إن هناك أموراً يتم بها صلاح القلب، وهي كثيرة جدّاً ومن أعظمها:
1 – المجاهدة: فالإنسان يحتاج إلى مجاهدة دائمة ومستمرة وإلى مكابدة لإصلاح قلبه، يقول ابن المنكدر -رحمه الله- وهو من علماء التابعين: “كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت لي”.
فإذا جاءك الشيطان بخاطرة من الخواطر وأوفدها على قلبك، تحتم عليك أن تجاهد قلبك لتدفع عنه تلك الخاطرة السيئة.
فإذا رأى العبد شيئاً من الأشياء التي تلتفت إليه النفوس الضعيفة، وتتطلع إليه القلوب المريضة، فليصرف قلبه عنها ولا يلتفت إليها، ويتذكر مباشرة عظمة الله وجلاله ورقابته، فلا تتحرك نفسه للمعصية، أو الوقوع في الريبة والدخول في أمور وطرائق ليس له أن يدخل فيها.
2- كثرة ذكر الموت وزيارة القبور: فلا بد أن يذكر العبد هذه اللحظات التي يخرج فيها الإنسان من الدنيا ويفارق سائر الشهوات واللذات، ويفارق الأهل والمال الذي أتعب نفسه في جمعه في لحظة ينكسر فيها الجبارون ويخضع فيها الكبراء ولا يحصل فيها للعبد تعلق بالدنيا، ولهذا يكثر من الناس التصدق في تلك الأحوال.
3 – مجالسة الصالحين: فمجالسة أهل الصلاح خير؛ لأنك إذا نظرت إلى وجههم انشرح صدرك وذهبت عنك كثير من الأوهام والهموم والغموم والمخاوف.
قال ابن القيم – رحمه الله – : “كنا إذا حدق بنا الخصوم وأرجفوا بنا وألبوا علينا، واعترتنا المخاوف من كل جانب؛ أتينا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فو الله ما إن نرى وجهه حتى يذهب ذلك عنا جميعاً”
وذلك لما يرون في وجهه من الإنارة، وما يرون فيه من المعاني الدالة على الخوف من الله عز وجل، والتقى والرجاء، وما إلى ذلك من الأمور التي تنعكس في وجه العبد، فإن الوجه مرآة للقلب.
4 – تعلق القلب بالله: فإذا تعلق القلب بالله ارتاح وصلح، وإذا تعلق بالمخلوق عذب به، سواء كان رجلاً أو امرأة أو سيارة أو عقاراً أو مالاً أو غير ذلك.
ولهذا كان ابن القيم -رحمه الله- يقول: “إن في القلب وحشة لا يذهبها إلا الأنس بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته، وفيه فاقة لا يذهبها إلا صدق اللجوء إليه، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تذهب تلك الفاقة أبداً” [مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (3/156)].
5 – الأعمال الصالحة: فالأعمال الصالحة بجميع أنواعها تصلح القلب، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: “إن للحسنة نوراً في القلب، وضياء في الوجه، قوة في البدن، وزيادة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القلب، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضاً في قلوب الخلق”.
هذه بعض العوامل التي تصلح قلب العبد إن التزم الواحد منا، وهي موجودة في كتب العلماء، ذكروها في كتبهم، وجربوها فأتت أكلها وأثمرت صلاحا في الحركات والسكنات، وسنقف عند عوامل أخرى في ما يستقبل من حلقات، إلى ذلكم الحين أدعو الله –عز وجل- لي ولكم قائلا: اللهم إنا نسألك أن تصلح ما فسد من قلوبنا، وأن ترقنا الخشية والإنابة والخضوع بين يديك، وأن تحبب إلينا الإيمان وتزينه في قلوبنا، وتجعلنا من الراشدين فضلا منك ونعمة، إنك عليم حكيم، آمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.

أوسمة :
%d مدونون معجبون بهذه: