اليوم الخميس 27 أبريل 2017 - 2:03 مساءً
أخر تحديث : الجمعة 3 فبراير 2017 - 12:57 صباحًا

حديث الجمعة / الحلقة 104 : صلاح الجوارح بصلاح القلب .

حديث الجمعة
الحلقة: (104)

(صلاح الجوارح بصلاح القلب)

الحمد لله رب العالمين، القائل في محكم تنزيله وهو أصدق القائلين: {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78].
نحمده –عز وجل- حمدا يوافي ما أنعم ويكافيه، حمدا سرمدا مباركا فيه، ونصلي ونسلم على سيد محمد عبده ورسوله، وعلى آله وصحبه، والتابعين ومن بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فقد عشنا في الحصة الماضية مع دعاء آخر عظيم من أدعية النبي الكريم، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وهو دعاء سؤال الله –عز وجل- الثبات، الذي كان يكثر النبي –صلى الله عليه وسلم- منه قائلا: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» فقال الصحابة يَا رَسُولَ اللهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: فَقَالَ: «نَعَمْ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- يُقَلِّبُهَا».
لذلك تحدثنا عن عوامل الثبات التي حددناها في ستة:
1 – صحة الإيمان وصلابة الدين.
2 – الدعاء والافتقار إلى الله -عز وجل- والاستكانة له.
3 – تدبر القرآن والعمل به.
4 – الصبر.
5 – اليقين والرضا بقضاء الله وقدره.
6 – التزام شرع الله والعمل الصالح.
اليوم بعون وتوفيق من الله -عز وجل- نتحدث عن هذا القلب التي اعتنى به النبي –صلى الله عليه وسلم- إصلاحا ودعاء، وبين للصحابة الكرام أنه بين أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- يُقَلِّبُهُ كَيْفَ شَاءَ، فلماذا هذا الاعتناء وهذا التهويل من أمر القلب؟.
لنسمع الجواب في حديث المصطفى –صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: “أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ” [رواه البخاري ومسلم].
فالنبي –صلى الله عليه وسلم- يبين لنا أن الصلاح والفساد كلاهما نابع من القلب، فإذا أصلح العبد قلبه صلحت جوارحه، وإذا تركه يهيم في فساد فسدت الجوارح وخاب صاحبها وخسر، وشهدت عليه يوم القيامة، مصداقا لقول الحق سبحانه: {وَيَوْمَ نَحْشُرُ أَعْدَاءَ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [فصلت: 19 – 23]
قال ابن رجب الحنبلي (ت795) –رحمه الله-: في جامع العلوم والحكم: “فيه إشارةٌ إلى أنَّ صلاحَ حركاتِ العبدِ بجوارحه، واجتنابه للمحرَّمات واتَّقاءه للشُّبهات بحسب صلاحِ حركةِ قلبِه، فإنْ كان قلبُه سليماً، ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يُحبه الله، وخشية الله وخشية الوقوع فيما يكرهه، صلحت حركاتُ الجوارح كلّها، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرَّمات كلها، وتوقي للشبهات حذراً مِنَ الوقوعِ في المحرَّمات، وإنْ كان القلبُ فاسداً، قدِ استولى عليه اتِّباعُ هواه، وطلب ما يحبُّه، ولو كرهه الله، فسدت حركاتُ الجوارح كلها، وانبعثت إلى كلِّ المعاصي والمشتبهات بحسب اتِّباع هوى القلب.
ولهذا يقال: القلبُ مَلِكُ الأعضاء، وبقيَّةُ الأعضاءِ جنودُه، وهم مع هذا جنودٌ طائعون له، منبعثون في طاعته، وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه في شيءٍ من ذلك، فإنْ كان الملكُ صالحاً كانت هذه الجنود صالحةً، وإنْ كان فاسداً كانت جنودُه بهذه المثابَةِ فاسدةً، ولا ينفع عند الله إلاّ القلبُ السليم، كما قال تعالى: {يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء 88- 89].
وكان النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يقول في دعائه: “اللهم إني أسألُكَ قلباً سليماً” [أخرجه الإمام أحمد].
فالقلب السليم: هو السالم من الآفات والمكروهات كلِّها، وهو القلبُ الذي ليس فيه سوى محبة الله وما يحبُّه الله، وخشية الله، وخشية ما يُباعد منه. [جامع العلوم والحكم 1/218-219].
وقال –رحمه الله- أيضا “فعلم بذلك أنَّه لا صلاحَ للعالَم العلويِ والسُّفليّ معاً حتى تكونَ حركاتُ أهلها كلُّها لله، وحركاتُ الجسدِ تابعةً لحركةِ القلب وإرادته، فإنْ كانت حركتُه وإرادتُه لله وحدَه، فقد صَلَحَ وصَلَحَتْ حركاتُ الجسدِ كلِّه، وإنْ كانت حركةُ القلب وإراداته لغيرِ الله تعالى فسدَ، وفسدت حركاتُ الجسد بحسب فسادِ حركة القلب. [جامع العلوم والحكم 1/220].
ولأهل الله -عز وجل- وقفات من إصلاح جوارحهم لتستقيم قلوبهم على الطاعة والعمل الصالح، فهذا الحسن البصري –رحمه الله- يقول: “ما نظرتُ ببصري، ولا نطقتُ بلساني، ولا بطشتُ بيدي، ولا نهضتُ على قدمي حتّى أنظر على طاعةٍ أو على معصية، فإنْ كانت طاعةٌ تقدمت، وإنْ كانت معصية تأخَّرت”.
وهذا محمد بن الفضل البَلخي–رحمه الله- يقول: “ما خطوتُ منذ أربعين سنة خطوةً لغير الله عز وجل”.
وقيل لداود الطائي–رحمه الله-: “لو تنحيتَ من الظلِّ إلى الشمس، فقال: هذه خُطا لا أدري كيف تكتب”.
فهؤلاء القوم لما صلحت قلوبُهم، فلم يبق فيها إرادةٌ لغير الله -عز وجل – صلحت جوارحُهم، فلم تتحرّك إلا لله عز وجل، وبما فيه رضاه، والله تعالى أعلم. [جامع العلوم الحكم 1/223].
فاللهم إنا نسألك أن تصلح ما فسد من قلوبنا، وأن تثبتنا على الإيمان والعمل الصالح يارب العالمين آمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.

أوسمة :
%d مدونون معجبون بهذه: