اليوم الخميس 27 أبريل 2017 - 2:03 مساءً
أخر تحديث : الخميس 26 يناير 2017 - 9:28 مساءً

حديث الجمعة/الحلقة 103:من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم: سؤال الله عزوجل الثبات

حديث الجمعة
الحلقة: (103)

(من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم.
سؤال الله عز وجل الثبات)

الحمد لله رب العالمين، القائل في محكم تنزيله وهو أصدق القائلين: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27].
نحمدك اللهم على كل حال، ونعوذ بك من حال أهل النار، ونستغفرك من جميع الأوزار، والذنوب والخطايا التي عملناها في الجهر والأسرار، ونصلي ونسلم على سيد الأطهار، نبينا محمد الصفوة المختار، وعلى آله وصحبه ما تعاقب الليل والنهار، وعلى التابعين وتابعيهم بإحسان إلى دار القرار، وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد؛
فقد عشنا في الحصة الماضية مع دعاء عظيم من أدعية النبي الكريم، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وهو الدعاء القائل فيه –عليه السلام-: «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا».
وقد بينا في الحلقة الماضية لماذا التعوذ بالله من هذه الأربع، فالعلم الذي لا ينفع لا يجني منه صاحبه إلا الحسرة والخيبة، والنفس التي لا تشبع فهي بالطبع نفس مريضة يجب علاجها وتزكيتها وإصلاحها، حتى تهدأ وترضى برزق الله وقضائه، والدعاء الذي لا يسمع -نعوذ بالله منه- أسبابه كثيرة أبرزها أكل الحرام، والقلب الذي لا يخشع على العبد أن يتعوذ بالله منه دائما وأبدا، وأن يتعهد قلبه بالذكر بالمواعظ حتى لا يطول عليه الأمد فيقسو فلا تنفع فيه المواعظ.
وبناء على هذا الأخير (أي: القلب الذي لا يخشع) يدور محور حلقة اليوم، وبيانه أن العبد معرض لفتن كثيرة في دنياه قد تُنسِيهِ الخشوع وتنسيه ربه، فيدخل في الوعيد الوارد في قوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [الحشر: 19].
ولذلك وجب على العبد أن يسأل الله -عز وجل- أن يرزقه ثبات القلب على الدين والإيمان، قال –تعالى- ذاكرا أوصاف الراسخين في العلم من أهل الإحسان، القائلين: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8].
ومن أدعية النبي –صلى الله عليه وسلم- قوله: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ». قَالَ أَنَسٌ: فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: فَقَالَ: «نَعَمْ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- يُقَلِّبُهَا».
والثبات على دين الله يعني الاستقامةَ على الهدى والتمسكَ بالتقى، وقصرَ النفس على سلوك طريق الحق والخير، والبعدَ عن الذنوب والمعاصي وطرقَ الهوى والشيطان.
وللثبات على الدين عوامل ومظاهر من تمسك بها صمد أمام كل المصاعب التي تحول بينه وبين دين الله
فمن عومل الثبات على دين الله: صحة الإيمان وصلابة الدين؛ فكلما كان الإنسان قوياً في إيمانه صلباً في دينه صادقاً مع ربه، كلما ازداد ثباته، وقويت عزيمته، وثبتت حجته، قال تعالى: {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [إبراهيم: 27].
ومن عوامل الثبات على دين الله: الدعاء والافتقار إلى الله -عز وجل- والاستكانة له؛ إذ الدعاء من أقوى الأسباب لدفع المكروه وحصول المطلوب، وهو من أقوى الأسباب على الثبات إذا أخلص العبد في دعائه.
ومن عوامل الثبات على دين الله: تدبر القرآن والعمل به؛ فالقرآن هو كتاب الله الخالد، ومعجزة رسوله الباقية، ونعمته السابغة، وحكمته الدامغة، وهو ينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، أنزله الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم- لنقرأه تدبراًـ ونتأمله تبصراً، ونسعد به تذكراً، ونجتهد في إقامة أوامره ونواهيه، قال تعالى: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [سورة الفرقان (32)].
وقال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} [سورة ص. (29)]
ومن عوامل الثبات على دين الله: الصبر، فالصبر من أعظم الأمور المعينة على الثبات؛ إذ الصبر حبس النفسِ عن الجزع، واللسانِ عن الشكوى، والجوارح عن التشويش؛ فالصبر إذن أعظم مظهر من مظاهر الثبات، ولقد أمرنا الله –تعالى- به فقال –سبحانه-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [سورة البقرة (153)].
وقال سبحانه : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة آل عمران (200)].
ومن عوامل الثبات على دين الله: اليقين والرضا بقضاء الله وقدره، فهما من أعظم الأسباب المعينة على الثبات؛ ذلك أن اليقين هو جوهر الإيمان.
ومن عوامل الثبات على دين الله: التزام شرع الله والعمل الصالح؛ قال تعالى: {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء} [سورة إبراهيم (27)].
فاللهم إنا نسألك الثبات على الدين، ونعوذ بك أن نفتن عنه أو نحيد قيد أنملة، فتجاوز اللهم عنا السيئات، واكتب لنا الحسنات، وارفعنا عندك درجات، يارب الأرض والسماوات، آمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل.

أوسمة :
%d مدونون معجبون بهذه: