http://sawtsouss.com/wp-content/uploads/2018/01/gold-star2.gif

حديث الجمعة / الحلقة 39 : الهجرة والزكاة.

2015 10 29
2015 10 29
Array

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.

حديث الجمعة: الحلقة التاسعة والثلاثون: الهجرة والزكاة. الحمد لله رب العالمين، المنعم على العباد بنعم لا تعد ولا تحصى، القائل في محكم تنزيله وهو أصدق القائلين: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53]. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله البشير النذير، والسراج المنير، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد؛ فأستسمح القراء الكرام الذين ينتظرون العودة إلى الحديث عن موضوع الصلاة وكيفيتها الذي شرعنا في تفصيل القول فيه فيما سبق من حلقات، أستسمحهم للحديث اليوم عن موضوع آخر يربطه غالبية المسلمين بالهجرة النبوية، إنه موضوع الزكاة، والزكاة ركن من أركان الإسلام، فرضها الله وأوجبها كوجوب الشهادتين والصلاة والحج والصيام، وما من شك أنها تؤدي شكر نعمة المال، الذي أنعم الله به على العباد، وتسهم في تحقيق التكافل الاجتماعي والاستقرار الأسري والنفسي للمعوزين من الفقراء والمساكين. من أجل ذلك قررت -قبل العودة إلى موضوع الصلاة- أن أخصص حلقة اليوم للحديث عن ركن الزكاة، ذلك لأن المال نعمة من نعم الله، به قوام الحياة الإنسانية، وهو زينة الحياة الدنيا إن أدى المسلم حقه، قال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} [الكهف: 46] وهو شهوة وفتنة إن لم يعط حقه، قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التغابن: 15]. لذلك يحتاج الإنسان دائما إلى تعبئة روحية متواصلة لتهذيب غريزة التملك في النفس، حتى لا تطغى عليه النزعة الجشعة للاحتكار وحرمان الآخرين، بل يراعي حق المحرومين من ابن السبيل والفقراء والمساكين، ولتحقيق ذلك وجب أن نؤدي ما أوجبه المنعم علينا في هذه النعمة، وإن أعظم ما أوجب الله علينا في أموالنا الزكاةُ التي هي ثالث أركان الإسلام، وقرينة الصلاة في محكم القرآن، جاء في منعها والبخلِ بها الوعيد بالنيران. قال الله عز وجل: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [آل عمران: 180]. قال – صلى الله عليه وسلم – في تفسير الآية: “مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ – يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ – ثُمَّ يَقُولُ أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلاَ: (لَا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) ” الآيَةَ. ».[روه البخاري من كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة ح: 1403]. وقال تعالى في آية أخرى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ } [التوبة: 34، 35] وقال –صلى الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالْإِبِلُ؟ قَالَ: «وَلَا صَاحِبُ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ». قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟ قَالَ: «وَلَا صَاحِبُ بَقَرٍ، وَلَا غَنَمٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ، وَلَا جَلْحَاءُ، وَلَا عَضْبَاءُ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالْخَيْلُ؟ قَالَ: ” الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ: هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخْرًا وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهِ فِي ظُهُورِهَا وَلَا رِقَابِهَا، فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ. وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي مَرْجٍ وَرَوْضَةٍ، فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا كُتِبَ لَهُ عَدَدَ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٌ، وَكُتِبَ لَهُ عَدَدَ أَرْوَاثِهَا وَأَبْوَالِهَا حَسَنَاتٌ، وَلَا تَقْطَعُ طِوَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا، أَوْ شَرَفَيْنِ، إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا وَأَرْوَاثِهَا حَسَنَاتٍ، وَلَا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ، حَسَنَاتٍ “ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالْحُمُرُ؟ قَالَ: «مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ شَيْءٌ، إِلَّا هَذِهِ الْآيَةَ الْفَاذَّةُ الْجَامِعَةُ»: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} »[الزلزلة].[روه مسلم من كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة ح: 987]. إن حق المال الذي هو الزكاة واجب في الذهب والفضة أيضا وما يقوم مقامهما اليوم من الأوراق النقدية، إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول، ومقدار الزكاة في ذلك ربع العشر. وتجب الزكاة في الديون التي للإنسان على الناس، يضمها إلى ما عنده من جنسها سواء كانت حالة أو مؤجلة، فيزكيها كل سنة إن كانت على غنى، أما إن كانت على فقير فلا زكاة عليه فيها حتى يقبضها فيزكيها سنة واحدة عما مضى؛ لأنها قبل قبضها في حكم المعدوم. وتجب الزكاة في عروض التجارة إذا بلغت قيمتها نصابا بنفسها أو بضمها إلى ما عنده من الدراهم أو العروض، والعروض هي كل مال أعده مالكه للبيع تكسبا وانتظارا للربح من عقار وأثاث ومواش وسيارات وآلات وأطعمة وأقمشة وغيرها، فتجب عليه الزكاة فيها وهي ربع عشر قيمتها عند تمام الحول، فإذا تم الحول وجب عليه أن يثمن ما عنده من العروض ويخرجَ رُبعَ عشر قيمتها أيضا، وإذا كان للإنسان عقار يسكنه أو سيارة يركبها أو آلات لعمله فلا زكاة عليه في شيء من ذلك؛ لقول النبي: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ، وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ» ».[روه البخاري من كتاب الزكاة، باب: ليس على المسلم في فرسه صدقة ح: 1463. ومسلم من كتاب الزكاة، باب لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه، ح: 982]. فإذا ما أُدِّيتِ الزكاة بالطريقة التي حددها شرع وبين، حققت التكافل الاجتماعي المرجو منها، وأسهمت في حل مشكلات عجز المجتمع البشري عن حلها، وهي كثيرة ومتنوعة على رأسها البطالة، وتكدس الأموال وجمعها في يد واحدة. كما أن الزكاة تطهير لنفس صاحبها من داء البخل والشح والحرص على جمع، ومن تجاوز هذه المرحلة فقد أفلح كما قال تعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. [التغابن الآية 16]. فاللهم كما أنعمت علينا بنعمة المال ارزقنا شكره، ووفقنا لتأدية ما وجب علينا فيه، وأعنا على أنفسنا، حتى نطهرها من الشح والبخل، فإنك المعين على كل خير. وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ونبيك سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، والحمد لله رب العالمين. وإلى حلقة قادمة إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.   صوت سوس : الدكتور / أحمد بن محمد فاضل

المصدر - Array